فهرس الكتاب

الصفحة 5668 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 217

وسوسته وإغوائه، وجاهد أعداء الدّين لإحيائه، وجاهد نفسه الّتي هي أعدى أعدائه، فإنّما يجاهد لنفسه، لأنّ ثواب ذلك عائد عليه وواصل إليه دون اللّه تعالى.

نحوه القرطبيّ (13: 327) ، والنّسفيّ (3: 250) ، وأبو حيّان (7: 141) ، والبروسويّ (6: 448) .

الفخر الرّازيّ: وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: الآية السّابقة مع هذه الآية يوجبان إكثار العبد من العمل الصّالح وإتقانه له؛ وذلك لأنّ من يفعل فعلا لأجل ملك، ويعلم أنّ الملك يراه ويبصره، يحسن العمل ويتقنه، وإذا علم أنّ نفعه له ومقدّر بقدر عمله، يكثر منه، فإذا قال اللّه: إنّه سميع عليم، فالعبد يتقن عمله ويخلصه له، وإذا قال: بأنّ جهاده لنفسه، يكثر منه.

المسألة الثّانية: لقائل أن يقول: هذا يدلّ على أنّ الجزاء على العمل، لأنّ اللّه تعالى لمّا قال: مَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ فهم منه أنّ من جاهد ربح بجهاده ما لولاه لما ربح.

فنقول: هو كذلك، ولكن بحكم الوعد لا بالاستحقاق، وبيانه هو أنّ اللّه تعالى لمّا بيّن أنّ المكلّف إذا جاهد يثيبه، فإذا أتى به هو يكون جهادا نافعا له ولا نزاع فيه. وإنّما النّزاع في أنّ اللّه يجب عليه أن يثيب على العمل لو لا الوعد، ولا يجوز أن يحسن إلى أحد إلّا بالعمل، ولا دلالة للآية عليه.

المسألة الثّالثة: قوله: (فانّما) يقتضي الحصر، فينبغي أن يكون جهاد المرء لنفسه فحسب، ولا ينتفع به غيره، وليس كذلك فإنّ من جاهد ينتفع به ومن يريد هو نفعه، حتّى أنّ الوالد والولد ببركة المجاهد وجهاده ينتفعان.

فنقول: ذلك نفع له، فإنّ انتفاع الولد انتفاع للأب، والحصر هاهنا معناه أنّ جهاده لا يصل إلى اللّه منه نفع، ويدلّ عليه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ.

البيضاويّ: وَمَنْ جاهَدَ نفسه بالصّبر على مضض الطّاعة والكفّ عن الشّهوات فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ لأنّ منفعته لها. (2: 204)

الشّربينيّ: أي بذل جهده في جهاد حرب أو نفس، حتّى كأنّه يسابق آخر في الأعمال الصّالحة.

القاسميّ: أي في الصّبر على البلاء والثّبات على الحقّ مع ضروب الإيذاء فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ أي لأنّه يمهّد لنفسه، ما يجني به ثمرة غرسه.

الطّباطبائيّ: المجاهدة والجهاد مبالغة من"الجهد"بمعنى بذل الطّاقة، وفيه تنبيه لهم أنّ مجاهدتهم في اللّه بلزوم الإيمان والصّبر على المكاره دونه، ليست ممّا يعود نفعه إلى اللّه سبحانه حتّى لا يهمّهم ويلغو بالنّسبة إليهم أنفسهم، بل إنّما يعود نفعه إليهم أنفسهم، لغناه تعالى عن العالمين، فعليهم أن يلزموا الإيمان ويصبروا على المكاره دونه.

فقوله: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ تأكيد لحجّة الآية السّابقة، وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت