فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 218
الْعالَمِينَ تعليل لما قبله. (16: 103)
عبد الكريم الخطيب: وهذا البلاء الّذي يحتمله المؤمنون، وهذا الجهاد الّذي يجاهدونه في سبيل اللّه، إنّما هو تزكية لأنفسهم، وتطهير لقلوبهم، وإعلاء لذواتهم.
مكارم الشّيرازيّ: إنّ خطّة الامتحان الإلهيّ هي الجهاد، جهاد النّفس وهواها، وجهاد الأعداء الألدّاء، لحفظ الإيمان والتّقوى والطّهارة، فهي خطّة الإنسان نفسه. [إلى أن قال:]
يتّضح هنا من هذا البيان أنّ الجهاد لا يعني بالضّرورة جهاد العدوّ المسلّح، بل يحمل معناه اللّغويّ الّذي يشمل كلّ أنواع السّعي والجدّ لحفظ الإيمان والتّقوى، وتحمّل أنواع الشّدائد والمواجهات الموضعيّة للأعداء الألدّاء والحاقدين.
والخلاصة أنّ جميع منافع هذا الجهاد ترجع للشّخص المجاهد نفسه، وهو الّذي يفوز بخير الدّنيا والآخرة في جهاده، وحتّى إذا كان المجتمع يستفيد من بركات هذا الجهاد، فهو في مرحلة أخرى بعده.
فعلى هذا، متى ما وفّق أيّ إنسان إلى الجهاد فنال نصيبا منه، فعليه أن يشكر اللّه على هذه النّعمة.
فضل اللّه: وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ لأنّ الجهاد يمثّل حركة الإرادة في مواجهة النّوازع المضادّة في الدّاخل، في ما تشتمل عليه شخصيّة الإنسان من شهوات ورغبات، وفي مواجهة القوى المنحرفة في الخارج، في ما تحتويه السّاحة من أعداء ومعتدين؛ وذلك من أجل خلق التّوازن الدّاخليّ في شخصيّة الإنسان المسلم، بين خصائصه المادّيّة وتطلّعاته الرّوحيّة، في ما يتطلّبه الجسد من تلبية نداء الرّغبة وإرواء ظمإ الشّهوة، وفي ما يتطلّبه العقل والرّوح من تنظيم الحاجات، وتحديد النّزوات؛ وذلك هو السّبيل للحصول على طمأنينة النّفس، وسلامة الجسد، واستقرار الحياة، وسعادة المصير في رحاب اللّه، ممّا يعود بالخير على نفسه.
وإذا أردنا أن ننظر إلى الجهاد الّذي يعيشه المؤمن ضدّ كلّ عوامل الفتنة والإغراء والتّهويل، الّتي تريد إبعاده عن دينه، وتحويله إلى مواقع الكفر، فإنّنا سنجد في ذلك الخير كلّ الخير له، لأنّ الثّبات على الإيمان يمثّل الثّبات على قاعدة الخير في الحياة، من خلال الخطّ المستقيم الواحد الّذي يضمّ الحياة كلّها، في تصوّر واحد في كلّ مجالاتها العامّة، لتلتقي في بداياتها باللّه، وتنتهي في نهاياتها الخيّرة السّعيدة إليه.
أمّا جهاد القوى المضادّة الّتي تعمل على تأكيد سيطرة الظّلم والشّرّ والفساد، وتتحرّك للعدوان على البلاد والعباد، وتحمّل الكفر كعقيدة، والبغي كمنهج حياة، فإنّه يحقّق للحياة سلامها واستقرارها وتوازنها، لينعكس ذلك على الإنسان خيرا وبركة ومحبّة وسلاما.
وعلى ضوء هذا كان الجهاد الإنسانيّ في مواجهة عوامل الانحراف في نفسه وقوى الشّرّ في حياته حاجة إنسانيّة للاستقرار والطّمأنينة، يجلب فيها الإنسان الخير لنفسه، وليس حاجة إلهيّة في ما قد يتخيّله البعض من حاجة اللّه إلى عباده، في ما يكلّفهم به من شؤون الإيمان