فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 224
ولا أدري صحّة هذه الأقوال في السّند.
أمّا المعنى فإنّ من المعلوم في الشّريعة أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان يجاهد الكفّار بالسّيف على اختلاف أنواعهم، حسب ما تقدّم بيانه. وأمّا المنافقون فكان مع علمه بهم يعرض عنهم، ويكتفي بظاهر إسلامهم، ويسمع أخبارهم، فيلغيها بالبقاء عليهم وانتظار الفيئة إلى الحقّ بهم، وإبقاء على قومهم، لئلّا تثور نفوسهم عند قتلهم، وحذرا من سوء الشّنعة في أن يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه.
فكان لمجموع هذه الأمور يقبل ظاهر إيمانهم، وبادئ صلاتهم، وغزوهم، ويكل سرائرهم إلى ربّهم، وتارة كان يبسط لهم وجهه الكريم، وأخرى كان يظهر التّغيير عليهم.
وأمّا إقامة الحجّة باللّسان فكانت دائمة. وأمّا قول من قال:"إنّ جهاد المنافقين بإقامة الحدود فيهم، لأنّ أكثر إصابة الحدود كانت عندهم"فإنّه دعوى لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنّما المنافق بما يكون في قلبه من النّفاق كامنا، لا بما تتلبّس به الجوارح ظاهرا، وأخبار المحدودين يشهد مساقها أنّهم لم يكونوا منافقين.
الفخر الرّازيّ: وفي الآية سؤال، وهو أنّ الآية تدلّ على وجوب مجاهدة المنافقين، وذلك غير جائز، فإنّ المنافق هو الّذي يستر كفره وينكره بلسانه، ومتى كان الأمر كذلك لم يجز محاربته ومجاهدته.
واعلم أنّ النّاس ذكروا أقوالا بسبب هذا الإشكال:
فالقول الأوّل: أنّه الجهاد مع الكفّار وتغليظ القول مع المنافقين، وهو قول الضّحّاك. وهذا بعيد، لأنّ ظاهر قوله: جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ يقتضي الأمر بجهادهما معا، وكذا ظاهر قوله: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ راجع إلى الفريقين.
القول الثّاني: أنّه تعالى لمّا بيّن للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يحكم بالظّاهر، قال عليه السّلام:"نحن نحكم بالظّاهر"والقوم كانوا يظهرون الإسلام وينكرون الكفر، فكانت المحاربة معهم غير جائزة.
والقول الثّالث: وهو الصّحيح، أنّ الجهاد عبارة عن بذل الجهد، وليس في اللّفظ ما يدلّ على أنّ ذلك الجهاد بالسّيف أو باللّسان أو بطريق آخر؟ فنقول: إنّ الآية تدلّ على وجوب الجهاد مع الفريقين، فأمّا كيفيّة تلك المجاهدة فلفظ الآية لا يدلّ عليها، بل إنّما يعرف من دليل آخر.
وإذا ثبت هذا فنقول: دلّت الدّلائل المنفصلة على أنّ المجاهدة مع الكفّار يجب أن تكون بالسّيف، ومع المنافقين بإظهار الحجّة تارة، وبترك الرّفق ثانيا، وبالانتهار ثالثا. [إلى أن قال:]
وحمل الحسن جهاد المنافقين على إقامة الحدود عليهم إذا تعاطوا أسبابها. قال القاضي: وهذا ليس بشي ء، لأنّ إقامة الحدّ واجبة على من ليس بمنافق، فلا يكون لهذا تعلّق بالنّفاق، ثمّ قال: وإنّما قال الحسن ذلك، لأحد أمرين: إمّا لأنّ كلّ فاسق منافق، وإمّا لأجل أنّ الغالب ممّن يقام عليه الحدّ في زمن الرّسول عليه السّلام كانوا منافقين. (16: 134)
نحوه النّيسابوريّ (10: 130) ، والشّربينيّ (1: 633)