فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 226
الذّهن أنّ المراد بجهادهم: مطلق ما تقتضيه المصلحة من بذل غاية الجهد في مقاومتهم، فإن اقتضت المصلحة هجروا ولم يخالطوا ولم يعاشروا، وإن اقتضت وعظوا باللّسان، وإن اقتضت أخرجوا وشرّدوا إلى غير الأرض، أو قتلوا إذا أخذ عليهم الرّدّة أو غير ذلك.
وربّما شهد لهذا المعنى، أعني كون المراد بالجهاد في الآية: مطلق بذل الجهد، تعقيب قوله: جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ بقوله: وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي شدّد عليهم وعاملهم بالخشونة. (9: 339)
عبد الكريم الخطيب:"الكفّار والمنافقون"هم على سواء في كفرهم باللّه، ومحاربتهم لدين اللّه، وكيدهم لرسول اللّه. وإنّ على النّبيّ أن يجاهد هؤلاء وأولئك جميعا، وأن يلقاهم بكلّ قوّة وبأس؛ فالمنافقون كافرون وأكثر من كافرين، لأنّهم يسترون كفرهم بالنّفاق، ويدارونه بإظهار الإسلام، فهم بهذا عدوّ خفيّ، يأمن المسلمون جانبه، ولا يأخذون حذرهم منه، فيطّلع منهم على مالا يطّلع عليه العدوّ الظّاهر، من مواطن الضّعف منهم، وانتهاز الفرصة فيهم. فإذا جاهد النّبيّ الكفّار، فليجاهد المنافقين كذلك، وليشتدّ في جهادهم، وليغلظ عليهم، فلا يرخي يده عنهم إذا أمكنته الفرصة فيهم.
مكارم الشّيرازيّ: إنّ طريقة جهاد الكفّار واضحة ومعلومة، فإنّ جهادهم يعني التّوسّل بكلّ الطّرق والوسائل في سبيل القضاء عليهم، وبالذّات الجهاد المسلّح والعمل العسكريّ.
لكنّ البحث في أسلوب جهاد المنافقين، فمن المسلّم أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله لم يجاهد عسكريّا ولم يقابلهم بحدّ السّيف، لأنّ المنافق هو الّذي قد أظهر الإسلام، ويتمتّع بكلّ حقوق المسلمين، وحماية القانون الإسلاميّ، بالرّغم من أنّه يسعى لهدم الإسلام ومخالفته في الباطن تماما، كما نعلم أنّ كثيرا من الأفراد لا حظّ لهم من الإيمان، ولا يؤمنون حقيقة بالإسلام، غير أنّا لا نستطيع أن نعاملهم كأناس غير مسلمين، لأنّهم قد أظهروا الإسلام.
ولهذا، وعلى أساس ما يستفاد من الرّوايات وأقوال المفسّرين، يجب القول: بأنّ المقصود من جهاد المنافقين، هو الأنواع والطّرق الأخرى للجهاد، باستثناء الجهاد الحربيّ والعسكريّ، كالذّمّ والتّوبيخ والتّهديد والفضيحة، وربّما تشير جملة وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ إلى هذا المعنى.
ويحتمل في تفسير هذه الآية: أنّ (المنافقين) يتمتّعون بأحكام الإسلام وحقوقه وحمايته، مادامت أسرارهم مجهولة، ولم يتّضح وضعهم على حقيقته. أمّا إذا تبيّن وضعهم وانكشفت خبيئة أسرارهم، فسوف يحكمون بأنّهم كفّار حربيّون، وفي هذه الحالة يمكن جهادهم حتّى بالسّيف.
لكن الّذي يضعّف هذا الاحتمال: أنّ إطلاق كلمة (المنافقين) على هؤلاء لا يصحّ في مثل هذه الحالة، بل إنّهم يعتبرون من جملة الكفّار الحربيّين، لأنّ المنافق- كما قلنا سابقا- هو الّذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
وجاء بهذا المعنى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ