فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 232
واعلم أنّ الجهاد لا ينافي كونه عليه السّلام نبيّ الرّحمة؛ وذلك أنّه مأمور بالجهاد مع من خالفه من الأمم بالسّيف ليرتدعوا عن الكفر، وقد كان عذاب الأمم المتقدّمة عند مخالفة أنبيائهم بالهلاك والاستئصال. فأمّا هذه الأمّة فلم يعاجلوا بذلك، كرامة لنبيّهم عليه السّلام، ولكن يجاهدوا بالسّيف، وله بقيّة بخلاف العذاب المنزل. [ثمّ قال نحو أبي السّعود] (3: 437)
عبد الكريم الخطيب: (و جاهدوا ... ) توكيد لهذا الأمر بالنّفرة إلى الجهاد، لا بالنّفس وحسب، بل وبالمال أيضا، لمن يملك المال.
وقدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنّفس، لأنّ المال عند من يحرص على المال أحبّ إليه من نفسه، وهو القوّة الغالبة الّتي تثقل الإنسان وتبطئه عن الجهاد. فإذا سخا بالمال، وبذله في سبيل اللّه، خفّت نفسه إلى الجهاد، وانطلق من القيد الّذي كان يمسك به عن أن يكون في المجاهدين.
أمّا من لا يقدر على القتال لمرض أو شيخوخة أو نحو هذا، فإنّه وإن رفع اللّه عنه الحرج إذا لم يجاهد بنفسه، فإنّ الحرج قائم عليه إذا هو لم يجاهد بماله، إن كان له مال. فإذا بذل المال، وأمدّ به المجاهدين، كان مجاهدا، وحسب في المجاهدين، وفي الحديث الشّريف:"من جهّز غازيا فقد غزا".
فليس لمسلم- أيّا كان حاله ووضعه في المجتمع- أن يتخلّف عن الجهاد في سبيل اللّه، فلكلّ إنسان مكانه في المعركة؛ إذ ليست المعركة سيف وحسب، بل هي معركة سلاح، وعتاد، ومؤونة. بل هي قبل ذلك كلّه معركة مشاعر وأحاسيس، بمعنى أنّ الأمّة كلّها ينبغي أن تكون في مواجة المعركة على شعور واحد، ينتظم جميع أفرادها، هو شعور مواجهة العدوّ، والتّصدّي له، وطلب الغلب عليه. فهذا الشّعور هو الّذي يجعل الأمّة الإسلاميّة كلّها جيشا واحدا، يحمل السّلاح، ويضرب في وجه العدوّ.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، أنّها أشبه بالتّطبيق العمليّ، لما تكشف عنه الآيات السّابقة من نصر اللّه سبحانه وتعالى لنبيّه الكريم، وأنّ من كان من حزب اللّه فلن يغلب أبدا، ولو كان وحده. فليأخذ المسلمون مكانهم في الجهاد في سبيل اللّه، فيكونوا من حزب اللّه.
هذا، ويلاحظ أنّ الدّعوة المشدّدة إلى القتال، واستنفار المسلمين جميعا للجهاد في سبيل اللّه، إنّما كانت إرهاصا بدعوة المسلمين إلى ابتلاء جديد، بلقاء عدوّ جديد، في وطن جديد، وذلك في غزوة تبوك الّتي كانت آخر غزوة غزاها النّبيّ، كما سنعرّض لها فيما بعد، إن شاء اللّه. (5: 778)
مكارم الشّيرازيّ: أي جهادا مطلقا عامّا من جميع الجهات، لأنّهم كانوا يواجهون عدوّا قويّا مستكبرا، ولا يتحقّق النّصر إلّا بأن يجاهدوا بكلّ ما وسعهم من المال والأنفس. (6: 58)
فضل اللّه: وذلك بأن تقدّموا من ألوان الجهاد، في ما يمثّله من تضحية وجهد ومشقّة وتعب، (و انفسكم) وذلك بأن تقفوا في خطّ المواجهة في المعركة، لتقاتلوا ولتقتحموا على العدوّ ساحته، وتواجهوا الخطر كلّه.