فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 239
هذا ولعلّ تكرير التّفضيل بطريق العطف المنبئ عن المغايرة وتقييده تارة ب (درجة) وأخرى ب (درجات) مع اتّحاد المفضّل والمفضّل عليه حسبما يستدعيه الظّاهر، إمّا لتنزيل الاختلاف العنوانيّ بين التّفضيلين وبين الدّرجة والدّرجات منزلة الاختلاف الذّاتيّ، تمهيدا لسلوك طريق الإبهام، ثمّ التّفسير روما لمزيد التّحقيق، والتّقرير المؤذن بأنّ فضل المجاهدين بمحلّ لا تستطيع طير الأفكار الخضر أن تصل إليه. ولمّا كان هذا ممّا يكاد أن يتوهّم منه حرمان القاعدين، اعتنى سبحانه بدفع ذلك بقوله عزّ وجلّ قائلا: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى. ثمّ أراد جلّ شأنه تفسير ما أفاده التّنكير بطريق الإبهام بحيث يقطع احتمال كونه للوحدة، فقال ما قال، وسدّ باب الاحتمال.
ولا يخفى ما في الإبهام والتّفسير من اللّطف.
وأمّا ما قيل من إفراد"الدّرجة"أوّلا، لأنّ المراد هناك تفضيل كلّ مجاهد، والجمع ثانيا لأنّ المراد فيه تفضيل الجمع، ففي"الدّرجات"مقابلة الجمع بالجمع، فلكلّ مجاهد درجة، ومآل العبارتين واحد، والاختلاف تفنّن، فمن الكلام الملفوظ لا من اللّوح المحفوظ.
وإمّا للاختلاف بالذّات بين التّفضيلين وبين الدّرجة والدّرجات- وفي هذا رغب"الرّاغب"، واستطيبه"الطّيّبيّ"- على أنّ المراد بالتّفضيل الأوّل ما خوّلهم اللّه تعالى عاجلا في الدّنيا من الغنيمة والظّفر، والذّكر الجميل الحقيقيّ بكونه درجة واحدة، وبالتّفضيل الثّاني ما ادّخره سبحانه لهم من الدّرجات العالية والمنازل الرّفيعة المتعالية عن الحصر، كما ينبئ عنه تقديم الأوّل وتأخير الثّاني وتوسيط الوعد بالجنّة بينهما، كأنّه قيل: فضّلهم عليهم في الدّنيا درجة واحدة، وفي الأخرى درجات لا تحصى، وقد وسّط بينهما في الذّكر ما هو متوسّط بينهما في الوجود، أعني الوعد بالجنّة، توضيحا لحالهما ومسارعة إلى تسلية المفضول. كذا قرّره الفاضل مولانا شيخ الإسلام.
وقيل: المراد من التّفضيل الأوّل: رضوان اللّه تعالى ونعيمه الرّوحانيّ، ومن التّفضيل الثّاني: نعيم الجنّة المحسوس. وفيه أنّ عطف المغفرة والرّحمة يبعّد هذا التّخصيص.
وقيل: المراد من المجاهدين الأوّلين: من جاهد الكفّار، ومن المجاهدين الآخرين: من جاهد نفسه، وزيد لهم في الأجر لمزيد فضلهم، كما يدلّ عليه قوله عليه الصّلاة والسّلام:"رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". وفيه أنّ السّياق وسبب النّزول يأبيان ذلك، والحديث الّذي ذكره لا أصل له، كما قال المحدّثون.
رشيد رضا: أي لا يكون القاعدون عن الجهاد بأموالهم بخلا بها وحرصا عليها، وبأنفسهم إيثارا للرّاحة والنّعيم على التّعب وركوب الصّعاب في القتال، مساوين للمجاهدين الّذين يبذلون أموالهم في الاستعداد للجهاد بالسّلاح والخيل والمؤونة، ويبذلون أنفسهم بتعريضها للقتل في سبيل الحقّ، لأجل منع القتل في سبيل الطّاغوت، لأنّ المجاهدين هم الّذين يحمون أمّتهم وبلادهم، والقاعدين الّذين لا يأخذون حذرهم، ولا يعدّون للدّفاع عدّتهم، يكونون عرضة لفتك غيرهم بهم وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ