فهرس الكتاب

الصفحة 5691 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 240

الْأَرْضُ البقرة: 251، بغلبة أهل الطّاغوت عليها، وظلمهم لأهلها، وإهلاكهم للحرث والنّسل فيها.

فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ ... هذا بيان لمفهوم عدم استواء المجاهدين والقاعدين غير أولي الضّرر، وهو أنّ اللّه تعالى رفع المجاهدين عليهم درجة، وهي درجة العمل الّذي يترتّب عليه دفع شرّ الأعداء عن الملّة والأمّة والبلاد. وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى أي ووعد اللّه المثوبة الحسنى كلّا من الفريقين المجاهدين والقاعدين عن الجهاد عجزا منهم عنه، وهم يتمنّون لو قدروا عليه فقاموا به، فإنّ إيمان كلّ منهما واحد وإخلاصه واحد.

وقدّم مفعول (وعد) الأوّل، وهو لفظ (كلّا) لإفادة حصر هذا الوعد الكريم، في هذين الفريقين المتساويين في الإيمان والإخلاص، المتفاضلين في العمل، لقدرة أحدهما وعجز الآخر. (5: 350)

نحوه المراغيّ ملخّصا. (15: 129)

الطّباطبائيّ: وأمر الآية في سياقها عجيب: أمّا أوّلا: فلأنّها قيّدت المجاهدين أوّلا بقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وثانيا: بقوله: (بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ، وثالثا: أوردته من غير تقييد.

وأمّا ثانيا: فلأنّها ذكرت في التّفضيل أوّلا أنّها درجة، وثانيا أنّها درجات منه.

أمّا الأوّل فلأنّ الكلام في الآية مسوق لبيان فضل الجهاد على القعود، والفضل إنّما هو للجهاد إذا كان في سبيل اللّه لا في سبيل هوى النّفس، وبالسّماحة والجود بأعزّ الأشياء عند الإنسان وهو المال، وبما هو أعزّ منه وهو النّفس، ولذلك قيل أوّلا: وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ليتبيّن بذلك الأمر كلّ التّبيّن، ويرتفع به اللّبس، ثمّ لمّا قيل: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ ... لم تكن حاجة إلى ذكر القيود من هذه الجهة، لأنّ اللّبس قد ارتفع بما تقدّمه من البيان، غير أنّ الجملة لمّا قارنت قوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى مسّت حاجة الكلام إلى بيان سبب الفضل، وهو إنفاق المال وبذل النّفس على حبّهما، فلذا اكتفى بذكرهما قيدا للمجاهدين، فقيل: (الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ، وأمّا قوله ثالثا: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ ... فلم يبق فيه حاجة إلى ذكر القيود أصلا لا جميعها ولا بعضها، ولذلك تركت كلّا.

وأمّا الثّاني: فقوله: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً (درجة) منصوب على التّمييز، وهو يدلّ على أنّ التّفضيل من حيث الدّرجة والمنزلة، من غير أن يتعرّض أنّ هذه الدّرجة الموجبة للفضيلة واحدة أو أكثر، وقوله:

وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ ... كأنّ لفظة (فضّل) فيه مضمّنة معنى الإعطاء أو ما يشابهه، وقوله: دَرَجاتٍ مِنْهُ بدل أو عطف بيان لقوله: أَجْرًا عَظِيمًا.

والمعنى: وأعطى اللّه المجاهدين أجرا عظيما مفضّلا إيّاهم على القاعدين، معطيا أو مثيبا لهم أجرا عظيما وهو الدّرجات من اللّه. فالكلام يبيّن بأوّله أنّ فضل المجاهدين على القاعدين بالمنزلة من اللّه مع السّكوت عن بيان أنّ هذه المنزلة واحدة أو كثيرة، ويبيّن بآخره أنّ هذه المنزلة ليست منزلة واحدة بل منازل ودرجات كثيرة، وهي الأجر العظيم الّذي يثاب به المجاهدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت