فهرس الكتاب

الصفحة 5692 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 241

ولعلّ ما ذكرنا يدفع به ما استشكلوه من إيهام التّناقض في قوله أوّلا: (درجة) وثانيا: (درجات منه) ، وقد ذكر المفسّرون للتّخلّص من الإشكال وجوها لا يخلو جلّها أو كلّها من تكلّف:

منها: أنّ المراد بالتّفضيل في صدر الآية: تفضيل المجاهدين على القاعدين أولي الضّرر بدرجة، وفي ذيل الآية تفضيل المجاهدين على القاعدين غير أولي الضّرر بدرجات.

ومنها: أنّ المراد بالدّرجة في صدر الآية: المنزلة الدّنيويّة كالغنيمة وحسن الذّكر ونحوهما، وبالدّرجات في آخر الآية: المنازل الأخرويّة، وهي أكثر بالنّسبة إلى الدّنيا، قال تعالى: وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ الإسراء:

ومنها: أنّ المراد بالدّرجة في صدر الآية: المنزلة عند اللّه، وهي أمر معنويّ، وبالدّرجات في ذيل الآية:

منازل الجنّة ودرجاتها الرّفيعة وهي حسّيّة، وأنت خبير بأنّ هذه الأقوال لا دليل عليها من جهة اللّفظ.

والضّمير في قوله: (منه) لعلّه راجع إلى اللّه سبحانه، ويؤيّده قوله: وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً بناء على كونه بيانا للدّرجات، والمغفرة والرّحمة من اللّه، ويمكن رجوع الضّمير إلى الأجر المذكور قبلا.

وقوله: وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ظاهره كونه بيانا للدّرجات، فإنّ"الدّرجات"وهي المنازل من اللّه سبحانه أيّا ما كانت فهي مصداق المغفرة والرّحمة، وقد علمت في بعض الباحث السّابقة أنّ الرّحمة- وهي الإفاضة الإلهيّة للنّعمة- تتوقّف على إزالة الحاجب ورفع المانع من التّلبّس بها، وهي المغفرة، ولازمه أنّ كلّ مرتبة من مراتب النّعم، وكلّ درجة ومنزلة رفيعة مغفرة بالنّسبة إلى المرتبة الّتي بعدها، والدّرجة الّتي فوقها، فصحّ بذلك أنّ الدّرجات الأخرويّة- كائنة ما كانت- مغفرة ورحمة من اللّه سبحانه، وغالب ما تذكر"الرّحمة"وما يشابهها في القرآن تذكر معها"المغفرة"كقوله:

مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ المائدة: 9، وقوله: وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ الأنفال: 4، وقوله: مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ هود: 11، وقوله: وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ الحديد: 20، وقوله: وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا البقرة:

286، إلى غير ذلك من الآيات. (5: 46)

عبد الكريم الخطيب: وإذ ذكر القتل والقتال.

فقد استدعى ذلك ذكر الجهاد في سبيل اللّه؛ إذ كان أكثر ما يكون القتل وإراقة الدّماء في هذا الوطن؛ حيث يصطدم الحقّ بالباطل، ويلتقي المسلمون والكافرون بسيوفهم.

والجهاد أكرم الطّرق إلى اللّه، وأوسعها إلى مرضاته ورحماته. ومنازل المسلمين تختلف باختلاف حظوظهم من البذل والتّضحية في هذا الموطن، موطن الجهاد في سبيل اللّه. فهناك مجاهدون بأموالهم وأنفسهم، وهناك قاعدون لم يجاهدوا بأموالهم أو أنفسهم، وهناك- بين هؤلاء وأولئك- مؤمنون لهم أعذار تحول بينهم وبين الجهاد بالمال أو بالنّفس، بأن كانوا فقراء، أو كانوا ذوي عاهات، تحجزهم عن حمل السّيف، ولقاء العدوّ.

وفي قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ ... بيان لما بين المجاهدين في سبيل اللّه بأموالهم وأنفسهم، وبين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت