فهرس الكتاب

الصفحة 5693 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 242

الّذين لم يجاهد وبأموالهم وأنفسهم- من ذوي الأعذار- من تفاوت في الفضل والمنزلة عند اللّه.

فهؤلاء الّذين أعطاهم اللّه المال وعافاهم في أنفسهم، فلم يفقدوا جارحة من جوارحهم العاملة، ولم يصابوا بمرض مقعد- هؤلاء إذا أدّوا حقّ اللّه في هذه النّعم الّتي أنعم بها عليهم في المال وفي النّفس، فبذلوا المال في سبيل اللّه، وقدّموا أنفسهم للاستشهاد في سبيل اللّه- فقد استحقّوا جزاء المحسنين، واستوفوه كاملا.

أمّا هؤلاء الّذين لم يكن لهم مال ينفقونه في سبيل اللّه، أو قدرة بدنيّة على الجهاد بأنفسهم في سبيل اللّه، فهم- وإن كانوا ولا لوم عليهم، ولا مؤاخذة- لم يكسبوا ما كسبه المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، وبهذا سبقهم هؤلاء المجاهدون بأموالهم وأنفسهم، في ميدان الفضل والإحسان، وكانوا أعلى درجة عند اللّه منهم. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ ...

فهؤلاء وأولئك قد وعدهم اللّه الحسنى، وإن كان المجاهدون بأموالهم وأنفسهم أعلى درجة منهم في مقام الإحسان، الّذي هو حظّ مقسوم بين المسلمين الّذين آمنوا باللّه، وأدّوا للّه ما أمرهم به جهد طاقتهم، وما وسعت أنفسهم.

أمّا الّذين آمنوا، ولم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم- وبين أيديهم المال، ومعهم الصّحّة والعافية، ولكنّهم آثروا السّلامة والدّعة، وبخلوا بما آتاهم اللّه من فضله- فهؤلاء قد بخسوا دينهم حقّه، ونزلوا عن درجات المؤمنين، على حين ارتفع المجاهدون بأموالهم وأنفسهم درجات. وبهذا كان البون بين الفريقين شاسعا، والمدى بعيدا، وهذا ما تضمّنه قوله سبحانه: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ ...

فهذا الأجر العظيم الّذي فضّل اللّه به المجاهدين على القاعدين، هو درجات كثيرة في مقام الإحسان، ومغفرة من اللّه ورحمة، تشتمل هؤلاء المجاهدين، وتبدّل سيّئاتهم حسنات: أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ الأحقاف: 16. (3: 872)

مكارم الشّيرازيّ: تناولت الآيات السّابقة الحديث عن الجهاد، والآيتان الأخيرتان تبيّنان التّمايز بين المجاهدين وغيرهم من القاعدين، فتؤكّد عدم التّساوي بين من يبذل المال والنّفس رخيصين في سبيل الهدف الإلهيّ السّامي، وبين من يقعده عن هذا البذل سبب آخر غير المرض الّذي يحول دونه ودون المشاركة في الجهاد لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ ....

وواضح من هذه الآية أنّ المقصود بالقاعدين فيها هم أولئك المؤمنون بالإسلام الّذين لم يشاركوا في الجهاد في سبيله، بسبب افتقارهم إلى العزم الكافي لذلك، وتبيّن هنا أيضا أنّ الجهاد المقصود لم يكن واجبا عينيّا، فلو كان واجبا عينيّا لما تحدّث القرآن عن هؤلاء التّاركين للجهاد بمثل هذه اللّهجة المرنة، ولم يكن ليوعدهم بالثّواب.

وعلى هذا الأساس فإنّ فضل المجاهدين على القاعدين لا يمكن إنكاره حتّى لو كان الجهاد ليس واجبا عينيّا، ولا تشمل الآية بأيّ حال من الأحوال أولئك الّذين أحجموا عن المشاركة في الجهاد نفاقا، وعدوانا.

ويجب الانتباه- أيضا- إلى أنّ عبارة غَيْرُ أُولِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت