فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 244
الجهاد ولم يذكر شي ء عن الهدف: الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ...
وأمّا في المرحلة الأخيرة فقد جاءت الآية باسم المجاهدين فقط؛ حيث يدلّ ذلك بوضوح على الأسلوب البلاغيّ الرّفيع في الكلام القرآنيّ، حيث يتعرّف السّامع شيئا فشيئا بواسطته على الموضوع، وتخفّ قيوده وصفاته لديه، وتصل درجة التّعرّف إلى مرحلة يفهم السّامع بها كلّ شي ء من خلال إشارة واحدة.
2 -لقد ذكرت الآية في البداية تفوّق المجاهدين على القاعدين بعبارة مفردة، وهي (درجة) بينما في الآية التّالية جاءت هذه العبارة بصيغة الجمع (درجات) وجليّ أن لا تناقض بين هاتين العبارتين، لأنّ القصد من العبارة الأولى تبيان تفوّق المجاهدين على غيرهم، ولكنّ العبارة الثّانية تشرح هذا التّفوّق حين تقترن بذكر عبارات (المغفرة) و (الرّحمة) ، وبعبارة أخرى فإنّ الفرق بين هاتين العبارتين (درجة) و (درجات) هو الفرق بين المجمل والمفصّل.
كما يمكن الاستفادة من عبارة (درجات) على أنّها تعني أنّ المجاهدين ليسوا كلّهم في درجة أو مستوى واحد، بل تختلف درجاتهم باختلاف درجة إخلاصهم وتفانيهم وتحمّلهم للمشاقّ، وتختلف بذلك منزلتهم المعنويّة، لأنّه من البديهيّ أنّ الّذين يجاهدون الأعداء في صفّ واحد ليسوا جميعا بمستوى جهاديّ واحد، كما تختلف درجات الإخلاص لدى كلّ واحد منهم بالقياس إلى أمثالهم، ولذلك فإنّ لكلّ واحد منهم ثوابا خاصّا به يتناسب مع عمله الجهاديّ ونيّته في هذا العمل.
الأهمّيّة البالغة للجهاد:
إنّ الجهاد قانون عامّ في عالم الخليقة، فإنّ كلّ مخلوق سواء كان من النّباتات أو الحيوانات يسعى لإزالة ما يعترض طريقه من موانع بواسطة الجهاد، لكي يستطيع كلّ واحد منهم بلوغ الكمال المطلوب في التّكوين.
وعلى سبيل المثال: فجذر النّبات الّذي ينشط للحصول على الغذاء والطّاقة بصورة دائمة، لو ترك نشاطه هذا وكفّ عن السّعي، لاستحال عليه إدامة حياته، ولذلك فإنّ هذا الجذر حين يعترض طريقه مانع في عمق الأرض يحاول تخطّيه بثقبه. والعجيب هنا أنّ الجذور الرّقيقة تعمل في مثل هذه الحالة كالمسمار الفولاذيّ في ثقب الموانع الّتي تعترضها، فلو عجزت في هذا المجال لحرّفت طريقها واجتازت المانع عن طريق الالتفاف حوله.
وفي داخل وجود الإنسان أيضا هناك صراح غريب من نوعه، وهو دائم ما دام الإنسان حيّا، وهو الصّراع الرّائد بين كريّات الدّم البيضاء والأجسام المعادية المهاجمة، كيف لو أنّ هذا الصّراع توقّف لساعة واحدة وتخلّت الكريات البيض عن الدّفاع، لتسلّطت الجرائيم والمكروبات المتنوّعة على كافّة أجهزة جسم الإنسان ولعرّضت حياته إلى الخطر.
إنّ ما هو موجود في أوساط المجتمعات والقوميّات والشّعوب في العالم من كفاح من أجل البقاء، هو عين ذلك الكفاح والجهاد الّذي لمسناه في النّبات وفي جسم الإنسان. وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ من يواصل الجهاد والجذب، تكون الحياة من نصيبه، وهو منتصر دائما.