المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 245
أمّا الّذين تلهيهم عن الجهاد الأهواء والملذّات والشّهوات والأنانيّة وحبّ الذّات، فلن ينالهم غير الفناء والدّمار عاجلا أو آجلا، وسيحلّ محلّهم أناس يمتازون بالحيويّة والنّشاط والكفاح الدّؤوب.
وهذا هو الشّي ء الّذي يؤكّد عليه رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله؛ إذ يقول:"فمن ترك الجهاد ألبسه اللّه ذلّا وفقرا في معيشته، ومحقّا في دينه، إنّ اللّه أعزّ أمّتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها".
ويقول النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله في مناسبة أخرى:"أغزوا تورثوا أبناءكم مجدا".
أمّا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام فهو يقول في مستهلّ خطبته عن الجهاد:"فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة، فتحه اللّه لخاصّة أوليائه، وهو لباس التّقوى، ودرع اللّه الحصينة، وجنّته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه ألبسه اللّه ثوب الذّلّ وشمله البلاء، وديّث بالصّغار والقماء ...".
ويجب الالتفات إلى أنّ الجهاد لا يقتصر معناه على الحرب أو القتال المسلّح، بل هو أيضا كلّ سعي حثيث وجهد جهيد يبذل من أجل التّقدّم نحو تحقيق الأهداف المقدّسة الإلهيّة. ومن هذا المنطلق فإنّه بالإضافة إلى الحروب الدّفاعيّة أو الهجوميّة- أحيانا- فإنّ الكفاح العلميّ والمنطقيّ والاقتصاديّ والثّقافيّ والسّياسيّ يعتبر نوعا من الجهاد. (3: 351)
الوجوه والنّظائر
مقاتل: تفسير"الجهاد"على ثلاثة وجوه:
فوجه منها: الجهاد بالقول، فذلك قوله: وَجاهِدْهُمْ بِهِ يعني القرآن جِهادًا كَبِيرًا الفرقان: 52، وقال:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ التّوبة: 73، والتّحريم: 9، بالقول، مثلها في (لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) التّحريم: 1.
والوجه الثّاني: الجهاد يعني القتال بالسّلاح، فذلك قوله: لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني الّذين يقاتلون في سبيل اللّه وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ ...
الّذين يقاتلون في سبيل اللّه عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا النّساء: 95.
والوجه الثّالث: الجهاد يعني العمل، فذلك قوله:
وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ العنكبوت: 6، يعني من يعمل الخير فإنّما يعمل لنفسه، إيّاه ينفع ذلك، وقال أيضا: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا العنكبوت: 69، يعني عملوا لنا، وكقوله: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ الحجّ: 78، يعني اعملوا للّه حقّ عمله. (290)
مثله هارون الأعور (319) ، ونحوه الحيريّ (178) ، والدّامغانيّ (221) .
الأصول اللّغويّة
1 -الأصل في هذه المادّة: الجهاد، أي الأرض الصّلبة والمستوية، والجمع: جهد، وأرض جهاد: فضاء وبراز.