فهرس الكتاب

الصفحة 5719 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 268

أبو السّعود: أي بقراءة صلاتك بحيث تسمع المشركين، فإنّ ذلك يحملهم على السّبّ واللّغو فيها، وَلا تُخافِتْ بِها أي بقراءتها بحيث لا تسمع من خلفك من المؤمنين. [إلى أن قال:]

وقيل: المعنى لا تجهر بصلاتك كلّها ولا تخافت بها بأسرها، وابتغ بين ذلك سبيلا بالمخافتة نهارا والجهر ليلا.

شبّر: جهرا شديدا تشغل به من يلي بقربك ...

ابن عاشور: لا شكّ أنّ لهذه الجملة اتّصالا بجملة قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ يؤيّد ما تقدّم في وجه اتّصال قوله: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ بالآيات الّتي قبله، فقد كان ذلك بسبب جهر النّبيّ في دعائه باسم الرّحمان.

والصّلاة: تحتمل الدّعاء، وتحتمل العبادة المعروفة.

قد فسّرها السّلف هنا بالمعنيين. ومعلوم أنّ من فسّر الصّلاة بالعبادة المعروفة فإنّما أراد قراءتها خاصّة، لأنّها الّتي توصف بالجهر والمخافتة.

وعلى كلا الاحتمالين فقد جهر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بذكر الرّحمان، فقال فريق من المشركين: ما الرّحمان؟ وقالوا:

إنّ محمّدا يدعو إلهين، وقام فريق منهم يسبّ القرآن ومن جاء به، أو يسبّ الرّحمان ظنّا أنّه ربّ آخر غير اللّه تعالى وغير آلهتهم، فأمر اللّه رسوله أن لا يجهر بدعائه أو لا يجهر بقراءة صلاته في الصّلاة الجهريّة.

ولعلّ سفهاء المشركين توهّموا من صدع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالقراءة أو بالدّعاء أنّه يريد بذلك التّحكّك بهم والتّطاول عليهم بذكر اللّه تعالى، مجرّدا عن ذكر آلهتهم فاغتاظوا وسبّوا، فأمره اللّه تعالى بأن لا يجهر بصلاته هذا الجهر، تجنّبا لما من شأنه أن يثير حفائظهم ويزيد تصلّبهم في كفرهم، في حين أنّ المقصود تليين قلوبهم.

والمقصود من الكلام النّهي عن شدّة الجهر.

وأمّا قوله تعالى: وَلا تُخافِتْ بِها فالمقصود منه الاحتراس لكيلا يجعل دعاءه سرّا أو صلاته كلّها سرّا، فلا يبلغ أسماع المتهيّئين للاهتداء به، لأنّ المقصود من النّهي عن الجهر تجنّب جهر يتوهّم منه الكفّار تحكّكا أو تطاولا، كما قلنا.

والجهر: قوّة صوت النّاطق بالكلام. والمخافتة"مفاعلة": من خفت بكلامه، إذا أسرّ به. وصيغة"المفاعلة"مستعملة في معنى الشّدّة، أي لا تسرّها.

وقوله: ذلِكَ إشارة إلى المذكور، أي الجهر والمخافتة المعلومين من فعلي (تجهر- وتخافت) أي اطلب سبيلا بين الأمرين ليحصل المقصود من إسماع النّاس القرآن، وينتفي توهّم قصد التّطاول عليهم.

الطّباطبائيّ: الجهر والإخفات وصفان متضائفان، يتّصف بهما الأصوات. وربّما يعتبر بينهما خصلة ثالثة، هي بالنّسبة إلى الجهر إخفات وبالنّسبة إلى الإخفات جهر، فيكون الجهر هو المبالغة في رفع الصّوت، والإخفات هو المبالغة في خفضه، وما بينهما هو الاعتدال، فيكون معنى الآية: لا تبالغ في صلاتك في الجهر ولا في الإخفات، بل اسلك فيما بينهما سبيلا، وهو الاعتدال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت