فهرس الكتاب

الصفحة 5720 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 269

هذا لو كان المراد بالصّلاة في قوله: (بصلاتك) للاستغراق، والمراد به كلّ صلاة صلاة.

وأمّا لو أريد المجموع- ولعلّه الأظهر- كان المعنى:

لا تجهر في صلواتك كلّها ولا تخافت فيها كلّها بل اتّخذ سبيلا وسطا تجهر في بعض وتخافت في بعض. وهذا المعنى أنسب بالنّظر إلى ما ثبت في السّنّة من الجهر في بعض الفرائض اليوميّة كالصّبح والمغرب والعشاء، والإخفات في غيرها.

ولعلّ هذا الوجه أوفق بالنّظر إلى اتّصال ذيل الآية بصدرها، فالجهر بالصّلاة يناسب كونه تعالى عليّا متعاليا، والإخفات يناسب كونه قريبا أقرب من حبل الوريد. فاتّخاذ الخصلتين جميعا في الصّلوات أداء لحقّ أسمائه جميعا. (13: 225)

مكارم الشّيرازيّ: الآية أعلاه لا علاقة لها بالصّلوات الجهريّة والاخفاتيّة في اصطلاح الفقهاء، بل إنّ المقصود منها يتعلّق"بالإفراط والتّفريط"في الجهر والإخفات، فهي تقول: لا تقرأ بصوت مرتفع عن الحدّ الطّبيعيّ الّذي يشبه الصّراخ، ولا أقلّ من الحدّ الطّبيعيّ بحيث تكون حركة شفاه وحسب، ولا صوت فيها.

أسباب النّزول الواردة- حول الآية- الّتي يرويها الكثير من المفسّرين نقلا عن ابن عبّاس تؤيّد هذا المعنى.

وهناك روايات عديدة من طرق أهل البيت نقلا عن الإمام الباقر والصّادق عليهما السّلام تؤيّد هذا المعنى وتشير إليه.

لذا فإنّا نستبعد التّفاسير الأخرى الواردة حول الآية.

أمّا ما هو حدّ الاعتدال، وما هو الجهر والإخفات المنهيّ عنهما؟ الظّاهر أنّ الجهر هو بمعنى"الصّراخ"والإخفات هو من"السّكون"بحيث لا يسمعه حتّى الإنسان الّذي يقوم به نفسه.

أمّا الإخفات والجهر في الصّلوات اليوميّة فهو- كما أشرنا لذلك- له حكم آخر، أو مفهوم آخر، أي له أدلّة منفصلة؛ حيث ذكرها فقهاؤنا رضوان اللّه عليهم في كتب الصّلاة وبحثوا عنها.

ملاحظة:

هذا الحكم الإسلاميّ في الدّعوة إلى الاعتدال بين الجهر والإخفات يعطينا بصيرة وإدراكا في وجهتين هما:

الأولى: لا تؤدّوا العبادات بشكل تكون فيه ذريعة بيد الأعداء، فيقومون بالاستهزاء والتّحجّج ضدّكم، إذ الأفضل أن تكون متماشية مع الهدوء والأدب، كي تعكس بذلك نموذجا لعظمة الأدب الإسلاميّ ونموذجيّة طريقة التّعبّد في الإسلام.

فالّذين يقومون في أوقات استراحة النّاس بالإعلان عن جلساتهم بواسطة مكبّرات الصّوت، ويعتقدون أنّهم بذلك يوصلون صوتهم إلى الآخرين، هم على خطإ، وإنّ عملهم هذا لا يعكس أدب الإسلام في العبادات، وستكون النّتيجة عكسيّة على قضيّة التّبليغ الدّينيّ.

الثّانية: يجب أن يكون هذا التّوجيه أسوة لنا في جميع أعمالنا وبرامجنا الاجتماعيّة والسّياسيّة والاقتصاديّة؛ إذ يجب أن تكون جميع هذه الأمور بعيدة عن الإفراط

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت