فهرس الكتاب

الصفحة 5755 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 304

فكيف يمكن أن يأخذ إنسان واع فاهم عارف باللّه وصفاته، عارف بعلل الحوادث، عارف بعالم الطّبيعة وعالم بما بعد الطّبيعة، أن يأخذ مثل هذا الإنسان العارف الفاهم قطعة من الصّخر منفصلة من الجبل مثلا، فيستعمل قسما منها في بناء بيته، أو صنع سلالم منزله، ويتّخذ قسما آخر معبودا يسجد أمامه، ويسلّم مقدّراته بيده.

والجدير بالذّكر أنّنا نقرأ في كلام موسى عليه السّلام في الآية الحاضرة، كيف يقول لهم: أنتم جماعة غارقة في الجهل بصورة دائمة، لأنّ (تجهلون) فعل مضارع، ويدلّ غالبا على الاستمراريّة، وبخاصّة أنّ متعلّق الجهل لم يبيّن في الآية، وهذا يدلّ على عموميّة المجهول وشموليّته.

والأجمل من كلّ ذلك أنّ بني إسرائيل بقولهم:

اجْعَلْ لَنا إِلهًا أظهروا أنّ من الممكن أن يصير الشّي ء التّافه ثمينا- بمجرّد اختيارهم وجعلهم ووضع اسم الصّنم والمعبود عليه- وتوجب عبادته التّقرّب إلى اللّه، وعدم عبادته البعد عنه تعالى، وتكون عبادته منشأ للخير والبركة، واحتقاره منشأ للضّرر والخسارة، وهذه هي نهاية الجهل والغفلة.

صحيح أنّ مقصود بني إسرائيل لم يكن هو أن تجعل لنا معبودا يكون خالق العالم، بل كان مقصودهم هو:

اجعل لنا معبودا نتقرّب بعبادته إلى اللّه، ويكون مورثا للخير والبركة. ولكن هل يمكن أن يصير شي ء فاقدا للرّوح والخاصيّة بمجرّد تسميته معبودا وإلها، أو بمجرّد صنع صنم وتمثال، يكون ذا روح وذا آثار وخواصّ دفعة واحدة؟

هل يمكن أن يبرّر مثل [هذا] العمل شي ء سوى الجهل والخرافة، والخيال الواهي، والتّصوّر الباطل الخاوي؟! (5: 174)

2 -.. وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ. هود: 29

ابن عبّاس: (تجهلون) أمر اللّه. (184)

تجهلون ربوبيّة ربّكم وعظمته. (الواحديّ 2: 571)

أبو سليمان الدّمشقيّ: (تجهلون) لأمركم إيّاي بطرد المؤمنين. (ابن الجوزيّ 4: 98)

الطّبريّ: (تجهلون) الواجب عليكم من حقّ اللّه، واللّازم لكم من فرائضه، ولذلك من جهلكم سألتموني أن أطرد الّذين آمنوا باللّه. (12: 30)

الماورديّ: فيه وجهان: أحدهما: (تجهلون) في استرذالكم لهم وسؤالكم طردهم، الثّاني: (تجهلون) في أنّهم خير منكم لإيمانهم وكفركم. (2: 467)

الطّوسيّ: معناه أراكم تجهلون أنّهم خير منكم لإيمانهم بربّهم وكفركم به.

وقال قوم: إنّهم قالوا له: إنّ هؤلاء اتّبعوك طمعا في المال على الظّاهر دون الباطن، فقال لهم نوح: إنّهم ملاقوا جزاء أعمالهم، فيجازيهم على ما يعلم من بواطنهم، وليس لي إلّا الظّاهر أحملهم على ظاهر الإيمان، فأنتم تجهلون ذلك. (5: 544)

الزّمخشريّ: تتسافهون على المؤمنين، وتدعونهم أراذل، من قوله:

* ألا لا يجهلنّ أحد علينا*

أو تجهلون لقاء ربّكم، أو تجهلون أنّهم خير منكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت