فهرس الكتاب

الصفحة 5778 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 327

البقرة: 67، وقد يقول السّيّد لعبده حال ما يذمّه على فعل: يا جاهل لم فعلت كذا وكذا؟ والسّبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربّه أنّه لو استعمل ما معه من العلم بالثّواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فلمّا لم يستعمل ذلك العلم صار كأنّه لا علم له، فعلى هذا الطّريق سمّي العاصي لربّه جاهلا. وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية، سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك.

والوجه الثّاني: أن يأتي الإنسان بالمعصية مع العلم بكونها معصية، إلّا أن يكون جاهلا بقدر عقابه. وقد علمنا أنّ الإنسان إذا أقدم على مالا ينبغي مع العلم بأنّه ممّا لا ينبغي، إلّا أنّه لا يعلم مقدار ما يحصل في عاقبته من الآفات، فإنّه يصحّ أن يقال على سبيل المجاز: إنّه جاهل بفعله.

والوجه الثّالث: أن يكون المراد منه أن يأتي الإنسان بالمعصية مع أنّه لا يعلم كونه معصية، لكن بشرط أن يكون متمكّنا من العلم بكونه معصية، فإنّه على هذا التّقدير يستحقّ العقاب، ولهذا المعنى أجمعنا على أنّ اليهوديّ يستحقّ على يهوديّته العقاب، وإن كان لا يعلم كون اليهوديّة معصية، إلّا أنّه لمّا كان متمكّنا من تحصيل العلم بكون اليهوديّة ذنبا ومعصية، كفى ذلك في ثبوت استحقاق العقاب، ويخرج عمّا ذكرنا النّائم والسّاهي، فإنّه أتى بالقبيح ولكنّه ما كان متمكّنا من العلم بكونه قبيحا. وهذا القول راجح على غيره؛ من حيث أنّ لفظ"الجهالة"في الوجهين الأوّلين محمول على المجاز، وفي هذا الوجه على الحقيقة، إلّا أنّ على هذا الوجه لا يدخل تحت الآية إلّا من عمل القبيح وهو لا يعلم قبحه، أمّا المتعمّد فإنّه لا يكون داخلا تحت الآية، وإنّما يعرف حاله بطريق القياس، وهو أنّه لمّا كانت التّوبة على هذا الجاهل واجبة، فلأن تكون واجبة على العامد كان ذلك أولى. (10: 4)

الرّازيّ: فإن قيل: كيف قال: (بجهالة) ولو عمله بغير جهالة ثمّ تاب قبلت توبته؟

قلنا: معناه بجهالة بقدر قبح المعصية وسوء عاقبتها، لا بكونها معصية وذنبا، وكلّ عاص جاهل بذلك حال مباشرة المعصية، معناه أنّه مسلوب كمال العلم به بسبب غلبة الهوى وتزيين الشّيطان. (43)

أبو حيّان: [نحو الزّمخشريّ وأضاف:]

فكلّ عاص جاهل بهذا التّفسير، ولا تكون الجهالة هنا التّعمّد، كما ذهب إليه الضّحّاك. [ثمّ نقل أقوال المفسّرين في معنى"الجهالة"وأضاف:]

ويحتمل قصد الفعل والجهل بموقعه، أي أنّه حرام، أو في الحرمة أيّ قدر هي فيرتكبه مع الجهالة بحاله، لا قصد الاستخفاف به والتّهاون به.

والعمل بالجهالة قد يكون عن غلبة شهوة، فيعمل لغرض اقتضاء الشّهوة، على طمع أنّه سيتوب من بعد ويصير صالحا، وقد يكون على طمع المغفرة، والاتّكال على رحمته وكرمه، وقد تكون الجهالة جهالة عقوبة عليه. (3: 197)

أبو السّعود: (بجهالة) متعلّق بمحذوف وقع حالا من فاعل (يعملون) ، أي يعملون السّوء متلبّسين بها، أي جاهلين سفهاء، أو ب (يعملون) على أنّ"الباء"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت