فهرس الكتاب

الصفحة 5779 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 328

سببيّة، أي يعملونه بسبب الجهالة، لأنّ ارتكاب الذّنب ممّا يدعو إليه الجهل، وليس المراد به عدم العلم بكونه سوء، بل عدم التّفكّر في العاقبة، كما يفعله الجاهل.

نحوه البروسويّ. (2: 178)

الآلوسيّ: [اكتفى بنقل بعض أقوال السّابقين]

المراغيّ: الجهالة: الجهل وتغلّب السّفه على النّفس عند ثورة الشّهوة، أو سؤرة الغضب حتّى يذهب عنها الحلم وتنسى الحقّ، وكلّ من عصى اللّه سمّي جاهلا وسمّي فعله جهالة، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السّلام: أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يوسف: 33، وقال تعالى لنوح: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ هود: 46، وسرّ هذا أنّ العاصي لربّه لو استعمل ما معه من العلم بالثّواب والعقاب لما أقدم على المعصية؛ إذ هو لا يرتكبها إلّا جاهلا بحقيقة الوعيد، ومنتظرا لاحتمال العفو والمغفرة، أو شفاعة الشّفعاء الّتي تصدّ عنه العقاب.(4:

الطّباطبائيّ: وأمّا قوله تعالى: (بجهالة) فالجهل يقابل العلم بحسب الذّات، غير أنّ النّاس لمّا شاهدوا من أنفسهم أنّهم يعملون كلّا من أعمالهم الجارية عن علم وإرادة، وأنّ الإرادة إنّما تكون عن حبّ ما وشوق ما، سواء كان الفعل ممّا ينبغي أن يفعل بحسب نظر العقلاء في المجتمع أو ممّا لا ينبغي أن يفعل. لكن من له عقل مميّز في المجتمع عندهم لا يقدم على السّيّئة المذمومة عند العقلاء، فأذعنوا بأنّ من اقترف هذه السّيّئات المذمومة لهوى نفسانيّ وداعية شهويّة أو غضبيّة، خفي عليه وجه العلم، وغاب عنه عقله المميّز الحاكم في الحسن والقبيح والممدوح والمذموم، وظهر عليه الهوى، وعندئذ يسمّى حاله في علمه وإرادته،"جهالة"في عرفهم وإن كان بالنّظر الدّقيق نوعا من العلم. لكن لمّا لم يؤثّر ما عنده من العلم بوجه قبح الفعل وذمّه في ردعه عن الوقوع في القبح والشّناعة، ألحق بالعدم، فكان هو جاهلا، لغلبة الهوى وظهور العواطف والإحساسات النّيّئة على نفسه، ولذلك أيضا تراهم لا يسمّون حال مقترف السّيّئات إذا لم ينفعل في اقتراف السّيّئة عن الهوى والعاطفة: جهالة، بل يسمّونها عنادا وعمدا وغير ذلك.

فتبيّن بذلك أنّ الجهالة في باب الأعمال: إتيان العمل عن الهوى، وظهور الشّهوة والغضب من غير عناد مع الحقّ. ومن خواصّ هذا الفعل الصّادر عن جهالة أن إذا سكنت ثورة القوى وخمد لهيب الشّهوة أو الغضب باقتراف السّيّئة أو بحلول مانع، أو بمرور زمان، أو ضعف القوى بشيب أو مزاج، عاد الإنسان إلى العلم وزالت الجهالة وبانت النّدامة، بخلاف الفعل الصّادر عن عناد وتعمّد، ونحو ذلك. فإنّ سبب صدوره لما لم يكن طغيان شي ء من القوى والعواطف والأميال النّفسانيّة، بل أمرا يسمّى عندهم بخبث الذّات ورداءة الفطرة، لا يزول بزوال طغيان القوى والأميال سريعا أو بطيئا، بل دام نوعا بدوام الحياة، من غير أن يلحقه ندامة من قريب إلّا أن يشاء اللّه.

نعم ربّما يتّفق أن يرجع المعاند اللّجوج عن عناده

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت