فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 329
ولجاجه واستعلائه على الحقّ، فيتواضع للحقّ ويدخل في ذلّ العبوديّة، فيكشف ذلك عندهم عن أنّ عناده كان عن جهالة، وفي الحقيقة كلّ معصية جهالة من الإنسان، وعلى هذا لا يبقى للمعاند مصداق إلّا من لا يرجع عن سوء عمله إلى آخر عهده بالحياة والعافية.
[إلى أن قال:]
ويتبيّن ممّا مرّ أنّ القيدين جميعا، أعني قوله:
(بجهالة) وقوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ احتراز، بأن يراد بالأوّل منهما: أن لا يعمل السّوء عن عناد واستعلاء على اللّه. [إلى أن قال:]
ويمكن أن يكون قوله: (بجهالة) قيدا توضيحيّا، ويكون المعنى: للّذين يعملون السّوء. ولا يكون ذلك إلّا عن جهل منهم، فإنّه مخاطرة بالنّفس وتعرّض لعذاب أليم، أو لا يكون ذلك إلّا عن جهل منهم بكنه المعصية وما يترتّب عليها من المحذور، ولازمه كون قوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ إشارة إلى ما قبل الموت، لا كناية عن المساهلة في أمر التّوبة. فإنّ من يأتي بالمعصية استكبارا ولا يخضع لسلطان الرّبوبيّة، يخرج على هذا الفرض بقوله: ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ لا بقوله: (بجهالة) وعلى هذا لا يمكن الكناية بقوله: (ثمّ يتوبون) عن التّكاهل والتّواني، فافهم ذلك، ولعلّ الوجه الأوّل أوفق لظاهر الآية. (4: 239 - 241)
عبد الكريم الخطيب: المراد بالجهالة هنا:
ما يركب الإنسان من حمق وطيش ونزق، وهو في مواجهة المنكر، وليس المراد بالجهالة: عدم العلم بالمنكر الّذي يرتكبه، فهذا معفوّ عنه، ومحسوب من باب الخطأ.
المصطفويّ: فإنّ الجهالة عذر موجّه وقصور يوجب العفو، بخلاف العمل السّيّئ بعلم وتوجّه، فإنّه تقصير وعصيان عمديّ، ولا يبقى معه اعتذار حتّى يتوب اللّه عليه، إلّا أن يتوب بفضله ومنّه وكرمه.
مكارم الشّيرازيّ: وهنا يجب أن نرى ما ذا تعني"الجهالة"هل هي الجهل وعدم المعرفة بالمعصية، أم هي عدم المعرفة بالآثار السّيّئة والعواقب المؤلمة للذّنوب والمعاصي؟ إنّ كلمة الجهل وما يشتقّ منها وإن كانت لها معان مختلفة، ولكن يستفاد من القرائن أنّ المراد منها في الآية المبحوثة هنا هو طغيان الغرائز، وسيطرة الأهواء الجامحة، وغلبتها على صوت العقل والإيمان. وفي هذه الصّورة وإن لم يفقد المرء العلم بالمعصية إلّا أنّه حينما يقع تحت تأثير الغرائز الجامحة، ينتفي دور العلم ويفقد مفعوله وأثره، وفقدان العلم لأثره مساو للجهل عملا.
وأمّا إذا لم يكن الذّنب عن جهل وغفلة بل كان عن إنكار لحكم اللّه سبحانه وعناد وعداء، فإنّ ارتكاب مثل هذا الذنّب ينبئ عن الكفر، ولهذا لا تقبل التّوبة منه، إلّا أن يتخلّى عن عناده وعدائه وإنكاره وتمرّده.
وفي الحقيقة إنّ هذه الآية تبيّن نفس الحقيقة الّتي يذكرها الإمام السّجّاد عليه السّلام في دعاء أبي حمزة ببيان أوضح؛ إذ يقول:"إلهي لم أعصك حين عصيتك وأنا بربوبيّتك جاحد ولا بأمرك مستخفّ، ولا لعقوبتك متعرّض، ولا لوعيدك متهاون، لكن خطيئة عرضت وسوّلت لي نفسي وغلبني هواي". (3: 139)