فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 379
ما أجرى"استفعل"مجرى"أفعل"كاستخلص بمعنى أخلص، واستوقد بمعنى أوقد، إلى غير ذلك. [ثمّ استشهد بشعر]
ومنهم من فرّق بين استجاب وأجاب، بأنّ استجاب يدلّ على قبول. (7: 141)
رشيد رضا: يقال: أجاب الدّعوة، إذا أتى ما دعي إليه من قول أو عمل، وأجاب الدّاعي، إذا لبّاه وقام بما دعاه إليه؛ ويقال: استجاب له، وهو في القرآن كثير، واستجاب دعاءه، وكذا استجابه. [ثمّ استشهد بشعر، ونقل قول الرّاغب وأضاف:]
وهذا من دقائق تحديده للمعاني رحمه اللّه تعالى، ولكنّه لم يحط به.
وحقيقة الجواب والإجابة- كما يؤخذ من قوله- قطع الصّوت أو الشّخص الجوب أو الجوبة- وهي المسافة بين البيوت أو الحفرة- ووصوله إلى الدّاعي، أي وصول ما سأله إليه بالفعل.
وأمّا الاستجابة فهي التّهيّؤ للجواب أو للإجابة، أي المستلزم للشّروع والمضيّ فيها عند الإمكان وغايته الإجابة التّامّة عند عدم المانع، فالسّين والتّاء على معناهما.
ومن دقّق النّظر في استعمال الصّيغتين في القرآن الحكيم يظهر له أنّ أفعال الإجابة كلّها قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السّؤل كلّه بالفعل حقيقة أو ادّعاء، دفعة واحدة. ومنه الإجابة بالقول مثل: نعم ولبيّك ولك ذلك.
وأنّ الاستجابة قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السّؤل بالقوّة أو التّهيّؤ والاستعداد له، ومنه قوله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا ... فهو قد نزل في تهيّؤ المؤمنين للقتال في حمراء الأسد بعد أحد، أو بالفعل التّدريجيّ، كاستجابة دعوة الدّين الّتي تبدأ بالقبول والشّهادتين، ثمّ تكون سائر الأعمال بالتّدريج، وشواهده كثيرة.
والاستجابة من اللّه القادر على كلّ شي ء إنّما يعبّر بها في الأمور الّتي تقع في المستقبل، ويكون الشّأن فيها أن تقع بالتّدريج كاستجابة الدّعاء بالوقاية من النّار، وبالمغفرة وتكفير السّيّئات، وإيتاء ما وعد به المؤمنين في الآخرة، قال تعالى بعد حكاية هذا الدّعاء بذلك عن أولي الألباب: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ آل عمران: 195، وكاستجابته للمؤمنين في بدر بإمدادهم بالملائكة تثبّتهم، كما في سورة الأنفال.
(9 - 12) ومن ذلك استجابته لأيّوب وذي النّون وزكريّا عليهم السّلام كما في سورة الأنبياء (82 - 89) كلّ ذلك ممّا يقع بالتّدريج في الاستقبال.
وأمّا قوله تعالى لموسى وهارون حين دعوا على فرعون وملئه: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما يونس: 89، فهو تبشير لهما بأنّه تعالى قد قبلها بالفعل، وهذا من الإجابة القوليّة، جاءت بصيغة الماضي للإيذان بتحقّق مضمونها في المستقبل، حتّى كأنّها أجيبت وانتهى أمرها.
وهذا المعنى تؤدّيه مادّة"الإجابة"دون مادّة الاستجابة. ولو ذكرت هذه المسألة بصيغة الحكاية لعبّر عن إعطائهما ما سألا بلفظ الاستجابة، كما قال في شأن كلّ من أيّوب وذي النّون وزكريّا: فَاسْتَجَبْنا لَهُ.