فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 1، ص: 594
للذّمّ، بأنّها متأخّرة في الرّتبة وضيعة المقدار.
وتعقّبه أبو حيّان بأنّ"آخر"ومؤنّثه"أخرى"لم يوضعا لذمّ ولا لمدح وإنّما يدلّان على معنى"غير".
والحقّ أنّ ذلك باعتبار المفهوم الأصليّ، وهي تدلّ على ذمّ السّابقتين أيضا.
قال في"الكشف": هي اسم ذمّ يدلّ على وضاعة السّابقتين بوجه أيضا، لأنّ"أخرى"تأنيث"آخر"تستدعي المشاركة مع السّابق، فإذا أتي بها لقصد التّأخّر في الرّتبة عملا بمفهومها الأصليّ- إذ لا يمكن العمل بالمفهوم العرفيّ، لأنّ السّابقتين ليستا ثالثة أيضا- استدعت المشاركة قضاء لحقّ التّفضيل، وكأنّه قيل:
الأخرى في التّأخّر، انتهى.
وهو حسن، وذكر في نكتة ذمّ مناة بهذا الذّمّ أنّ الكفرة كانوا يزعمون أنّها أعظم الثّلاثة، فأكذبهم اللّه تعالى بذلك.
وقيل: (الاخرى) صفة ل"العزّى"، لأنّها ثانية (اللّات) ، والثّانية يقال لها: الأخرى، وأخّرت لموافقة رؤوس الآي.
وقال الحسن بن المفضّل: في الكلام تقديم وتأخير، والتّقدير: والعزّى الأخرى ومناة الثّالثة. ولعمري إنّه ليس بشي ء. (27: 56)
3 -وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى. النّجم: 47
الطّبريّ: وأنّ على ربّك يا محمّد أن يخلق هذين الزّوجين بعد مماتهم، وبلاهم في قبورهم، الخلق الآخر، وذلك إعادتهم أحياء خلقا جديدا، كما كانوا قبل مماتهم.
الطّوسيّ: هي البعثة يوم القيامة. (9: 438)
الطّبرسيّ: أي الخلق الثّاني للبعث يوم القيامة.
الفخر الرّازيّ: هي في قول أكثر المفسّرين إشارة إلى الحشر. والّذي ظهر لي- بعد طول التّفكّر والسّؤال من فضل اللّه تعالى الهداية فيه إلى الحقّ- أنّه يحتمل أن يكون المراد نفخ الرّوح الإنسانيّة فيه؛ وذلك لأنّ النّفس الشّريفة لا الأمّارة تخالط الأجسام الكثيفة المظلمة، وبها كرّم اللّه بني آدم، وإليه الإشارة في قوله تعالى:
فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ المؤمنون: 14، غير خلق النّطفة علقة، والعلقة مضغة، والمضغة عظاما؛ وبهذا الخلق الآخر تميّز الإنسان عن أنواع الحيوانات، وشارك الملك في الإدراكات، فكما قال هنا لك: أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ بعد خلق النّطفة، قال هاهنا: وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى؛ فجعل نفخ الرّوح نشأة أخرى كما جعله هنا لك إنشاء آخر.
والّذي أوجب القول بهذا هو أنّ قوله تعالى: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى النّجم: 42، عند الأكثرين لبيان الإعادة، وقوله تعالى: ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى النّجم: 41، كذلك فيكون ذكر (النّشأة الاخرى) إعادة، [أي إعادة لقوله: خلق الذّكر والأنثى] ولأنّه تعالى قال بعد هذا: وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى النّجم: 48، وهذا من أحوال الدّنيا. وعلى ما ذكرنا يكون التّرتيب في غاية الحسن، فإنّه تعالى يقول: خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى النّجم: 45، ونفخ فيهما الرّوح الإنسانيّة