فهرس الكتاب

الصفحة 5932 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 481

أصلا، فإنّ الشّبع والرّيّ والكسوة والمسكن قد تحصل بعد عروض أضدادها، بإعواز الطّعام والشّراب واللّباس والمسكن، وليس الأمر في الجنّة كذلك بل كلّ ما وقع فيها شهوة وميل إلى شي ء من المذكورات، تمتّع به من غير أن يصل إلى حدّ الضّرورة.

ولقائل أن يقول: وهل فيها لذّة إلّا إذا أحسّ بإعوازها؟ إلّا أن تكون طبيعة الحال في الجنّة غيرها في الدّنيا- ولا يبعد- وله شواهد من أوصاف الجنّة في الكتاب والسّنّة.

وثانيا: اثنتان من الآيات مدح وسرور بنفي الجوع، وهما (1) و (5) فالأولى نفي للجوع عن أهل الجنّة، والأخيرة نفي له عن أهل مكّة، مع فارق بينهما بنفي الجوع عن أهل الجنّة رأسا، ورفع الجوع عن أهل مكّة بإطعامهم، فإنّ مكّة كانت بلدا قفرا، وأهلها جياعا بالطّبع لو لم يأتهم الطّعام من بلاد أخرى، فمنّ اللّه عليهم بإطعامهم من جوع.

واثنتان منها ذمّ وعذاب وبلاء، وهما (2) و (3) ، والأولى بلاء لهذه الأمّة والأخيرة عذاب لقرية كانت مطمئنّة يأتيها رزقها رغدا مع فارق بينهما، فالأولى إنذار لهذه الأمّة بالجوع امتحانا، ليصبروا عليه، والأخرى حكاية عذاب لتلك القرية على كفرها وكفرانها بأنعم اللّه، فشتّان ما بين الجوعين: أحدهما يبشّر بالفلاح، والآخر يحكي الخسران.

وثالثا: جاء الجوع مع الظّمأ في (1) ومع الخوف في (2) و (3) و (5) ومع"الطّعام"في (4) مع اختلاف في التّقديم والتّأخير، وفي التّعريف والتّنكير، وفيما يقارنهما فيها، كما يأتي:

1 -قد بحثنا في الجوع والظّمأ وما قارنهما من العري والضّحى في (1) فلا نعيد.

2 -جاء (طعام) في (4) مع (جوع) حيث نفى لأهل النّار أن يكون لهم طعام إلّا من ضريع لا يغنيهم من جوع، فجاء (جوع) بإزاء (طعام) و (ضريع) ، وكلّها نكرة تحقيرا فيها جميعا، أو استيعابا في (طعام) و (جوع) لوقوعهما بعد النّفي، وتحقيرا في (ضريع) لوقوعه إثباتا، وهو الأولى حسب السّياق، ولذلك لم يذكر الخوف فيها مع الجوع.

3 -جاء"الخوف"و"الجوع"معرّفا بلام الجنس في (2) و (3) مع فروق بينهما:

أحدها: جاء في (2) بِشَيْ ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ الدّالّ على التّقليل والتّحقير أو التّنويع، أي لنبلونّكم بقليل، أو بنوع من الخوف والجوع، ولا يدلّ على الإحاطة أو الكثرة، وجاء في (3) لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ الدّالّ على الغلبة والكثرة والإحاطة، فرقا بين البلاء والعذاب، وبين الرّحمة والعتاب.

ثانيها: جاء في (2) عطفا على بِشَيْ ءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ: وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ تنويعا فيما يبلي به، وإعلاما بأنّ ما يصيب الإنسان المؤمن من الآفات كلّها بلاء واختبار، ولهذا ذيّلها ب وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ وهم الّذين خرجوا من البلاء مفلحين. وقد قيل قديما:"البلاء للولاء".

وجاء في (3) فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ فشدّد في العذاب بلفظي (اذاقها) و (لباس) الدالّان على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت