فهرس الكتاب

الصفحة 5933 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 482

الإحاطة واللّصوق بأبدانهم حتّى ذاقوا ألم العذاب، ولم يضف إليهما عذابا آخر، لأنّ الخوف والجوع يستلزمان غيرهما من أنواع البلايا والآفات من الموت والقتل والأسر والغارة ونحوها، وأنّهما رأس الآفات كلّها، وذيّلهما ب بِما كانُوا يَصْنَعُونَ إعلاما بسبب العذاب، وهو إفراطهم وسعيهم الأكيد في العصيان والإنكار والكفران المفهوم من (يصنعون) فالصّنع عمل عن خبرة وسعي، وهو آكد من (يعملون) . لاحظ"ص ن ع"فشدّة العذاب فيها موافقة لعظم العصيان والطّغيان.

ثالثها: قدّم"الخوف"على"الجوع"في (2) وقدّم"الجوع"عليه في (3) .

أمّا وجه تقديم"الخوف"في (2) - ولم يتعرّضوا له- لأنّها من سورة البقرة الّتي نزلت في بدء الهجرة- وباقي الآيات مكّيّة- وأكبر بليّة كانت تهدّد المسلمين يوم ذاك هو خوفهم من هجوم الكفّار عليهم، ولا سيّما من مشركي مكّة الّذين طال العداء بينهم وبين المسلمين حتّى أجبروهم على الخروج منها، والهجرة إلى غيرها، فأنذرهم اللّه بهذه البليّة في بدء هجرتهم ليستعدّوا لها ويصبروا عليها، فقدّم ما هو أكبر همومهم، ثمّ تلاه"الجوع"لأنّه أثر الهجوم وسلب الأمن وغلبة القحط النّاشئ عنه.

وتفسيرها بهذا النّهج يناسب ما قبلها يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ* وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ، وكذلك بعدها: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ...

وتفسير"الجوع"ب"القحط"عن بعضهم- تعبيرا بالمسبّب عن السّبب، كما أنّ الخوف مسبّب عن فقدان الأمن- يناسبه، لو لم يصرّحوا بالسّنة والمجاعة والجدب النّاشئة عن انعدام المطر غالبا.

على أنّ المهاجرين لم يكن لهم مال ولا معاش حين هاجروا فغلب عليهم الجوع حتّى أنّ النّبيّ عليه السّلام كان يشدّ الحجر على بطنه، ولتشاغلهم بالجهاد في سبيل اللّه عن المعاش. ومع ذلك كلّه كان الجوع همّهم الثّاني بعد الخوف، وتلاه سائر همومهم الطّبيعيّة الّتي كانت ناشئة عن همّهم الأوّل غالبا، وهو الخوف من أعدائهم.

وأمّا وجه تقديم"الجوع"في (3) فقد تعرّضوا له، وهو مقارنته ومناسبته لما قبلها في كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ حيث قدّم فيها"الأمن".

وتلاه"الرّزق"فقدّم"الجوع"عذابا ليقارن"الرّزق"مع أنّ اللّفّ والنّشر المرتّب اقتضى تقديم"الخوف"على"الرّجوع"، فهي نظير (1) فلاحظ.

4 -قدّم"الجوع"في (5) لأنّها وصف لقريش- أهل مكّة وهي بلد قفر- فكان الجوع أكبر همّهم، وتلاه همّ الخوف وكلا الأمرين كان يهدّدهم، ولم يصبهم رحمة من اللّه وتلبية لدعاء أبيهم إبراهيم عليه السّلام: وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ إبراهيم: 37، ويُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْ ءٍ القصص: 57: وفيها بحوث:

أ- قورن كلّ منهما بما يعالجه فقورن (جوع) ب (اطعمهم) ، و (خوف) ب (امنهم) تجسيما للرّحمة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت