المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 524
البيضاء معجزة لموسى عليه السّلام، ومرّة واحدة في سورة مدنيّة، في حكم ستر النّساء:
1 -وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ النّمل: 12
2 -اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ
القصص: 32
3 -وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ... النّور: 31
يلاحظ أوّلا: أنّ الآيتين: (1 و2) مكّيّتان تحويان قصّة موسى عليه السّلام حين جهّزه اللّه بآية اليد البيضاء، وهناك آية ثالثة مكّيّة أيضا جاء فيها: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى طه:
22، وقد فصّلنا البحث فيها في"ب ي ض: البيضاء"فلاحظ.
ثانيا: الآية (3) مدنيّة تعرضّت لأحكام النّساء في عفافهنّ وزينتهنّ وسترهنّ، فجاء في سترهنّ عن الرّجال الأجانب: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ ... وفيها بحوث:
1 -الجيب- كما مضى- هو مدخل القميص من الرّأس وقوارته، وكانت قمص النّساء في الجاهليّة وقد تجادّدت مع الأسف اليوم عند السّافرات- مفروجة واسعة، تبدو منها نحورهنّ وصدورهنّ وقلائدهنّ وشعورهنّ وترائبهنّ وسوالفهنّ وثديّهنّ، وما يحيط بها من الحليّ في الأذن والنّحر، لأنّهنّ كنّ يسدلن الخمر من ورائهنّ، فتبقى هذه مكشوفة زينة لهنّ، فأمرن بأن يسدلنها من قدّامهنّ حتّى يغطّينها.
فهذا إرشاد إلى طريقة سترهنّ بعض مواضع الزّينة، وهو من أحسنها وأقواها جلبا للأنظار، ولهذا قدّمها خاصّة على النّهي عن إبداء زينتهنّ عامّة، فقال:
وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَ فإنّ سترها يكفل قسما عظيما من ستر الزّينة المنهيّ عن إبدائها.
2 -فيها كلمتان اختلفوا في تفسيرهما: (يضربن) و (جيوبهنّ) :
فالمراد بالضّرب عندهم: مجرّد الإرسال والإسدال.
قال الزّمخشريّ: قولك:"ضربت بخمارها على جيبها"كقولك:"ضربت بيدي على الحائط إذا وضعتها عليه".
وقال أبو السّعود:"و قد ضمّن"الضّرب"معنى الإلقاء، فعدّي ب (على) ."
ونقول- واللّه أعلم-: الضّرب هنا ليس مجرّد الإرسال والوضع، بل الظّاهر منه لفّ الخمر وشدّها بالجيوب حتّى لا تزول عنها بالعدو، أو بالرّيح، وتبقى في موضعها كأنّها مخيطة أو مشدودة بالجيوب، وهذا كتشمير الثّوب بالحيزوم وكضرب الفسطاط على الأرض بإقامة عمده وضرب أوتاده. قال المصطفويّ:
"التّعبير بالضّرب: إشارة إلى شدّة السّتر واستحكامه بأيّ طريق ممكن: بشدّ أو عقد أو وصل، حتّى لا تزول"