فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 566
المتعلّق برسوله والحبّ المتعلّق بالآباء والأبناء والأموال وغيرها جميعا من سنخ واحد، لمكان قوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ وأفعل التّفضيل يقتضي اشتراك المفضّل والمفضّل عليه في أصل المعنى، واختلافهما من حيث الزّيادة والنّقصان.
ثمّ إنّ الآية ذمّت المتّخذين للأنداد، بقوله:
يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ثمّ مدح المؤمنين بأنّهم أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ سبحانه، فدلّ التّقابل بين الفريقين على أنّ ذمّهم إنّما هو لتوزيعهم المحبّة الإلهيّة بين اللّه وبين الأنداد الّذين اتخّذوهم أندادا.
وهذا وإن كان بظاهره يمكن أن يستشعر منه أنّهم لو وضعوا له سبحانه سهما أكثر لم يذمّوا على ذلك، لكن ذيل الآية ينفي ذلك، فإنّ قوله: إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا البقرة: 165، وقوله: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ البقرة: 166، وقوله: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ البقرة: 167، يشهد بأنّ الذّمّ لم يتوجّه إلى الحبّ من حيث إنّه حبّ، بل من جهة لازمه الّذي هو الاتّباع.
وكان هذا الاتّباع منهم لهم لزعمهم أنّ لهم قوّة يتقوّون بها لجلب محبوب أو دفع مكروه عن أنفسهم، فتركوا بذلك إتّباع الحقّ من أصله أو في بعض الأمر، وليس من اتّبع اللّه في بعض أمره دون بعض بمتّبع له، وحينئذ يندفع الاستشعار المذكور، ويظهر أنّ هذا الحبّ يجب أن لا يكون للّه فيه سهيم وإلّا فهو الشّرك، واشتداد هذا الحبّ ملازم لانحصار التّبعيّة من أمر اللّه، ولذلك مدح المؤمنين بذلك في قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.
وإذ كان هذا المدح والذّمّ متعلّقا بالحبّ، من جهة أثره الّذي هو الاتّباع، فلو كان الحبّ للغير بتعقيب إطاعة اللّه تعالى في أمره ونهيه، لكون الغير يدعو إلى طاعته تعالى- ليس له شأن دون ذلك- لم يتوجّه إليه ذمّ ألبتّة، كما قال تعالى: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ إلى قوله: أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ التّوبة: 24، فقرّر لرسوله حبّا كما قرّره لنفسه، لأنّ حبّه عليه السّلام حبّ اللّه تعالى، فإنّ أثره وهو الاتّباع عين اتّباع اللّه تعالى، فإنّ اللّه سبحانه هو الدّاعي إلى إطاعة رسوله والآمر باتّباعه، قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ النّساء: 64، وقال تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران: 31، وكذلك اتّباع كلّ من يهتدي إلى اللّه باتّباعه، كعالم يهدي بعلمه أو آية تعين بدلالته وقرآن يقرّب بقراءته ونحو ذلك، فإنّها كلّها محبوبة بحبّ اللّه، واتّباعها طاعة تعدّ مقرّبة إليه.
فقد بان بهذا البيان أنّ من أحبّ شيئا من دون اللّه ابتغاء قوّة فيه فاتّبعه في تسبيبه إلى حاجة ينالها منه، أو اتّبعه بإطاعته في شي ء لم يأمر اللّه به، فقد اتّخذ من دون اللّه أندادا وسيريهم اللّه أعمالهم حسرات عليهم، وأنّ المؤمنين هم الّذين لا يحبّون إلّا اللّه، ولا يبتغون قوّة إلّا من عند اللّه، ولا يتّبعون غير ما هو من أمر اللّه ونهيه، فأولئك هم المخلصون للّه دينا.
وبان أيضا أنّ حبّ من حبّه من حبّ اللّه، واتّباعه اتّباع اللّه كالنّبيّ وآله والعلماء باللّه، وكتاب اللّه وسنّة