فهرس الكتاب

الصفحة 6018 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 567

نبيّه، وكلّ ما يذكر اللّه بوجه إخلاص للّه ليس من الشّرك المذموم في شي ء، والتّقرّب بحبّه واتّباعه تقرّب إلى اللّه، وتعظيمه بما يعدّ تعظيما من تقوى اللّه، قال تعالى:

وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ الحجّ:

32، والشّعائر هي العلامات الدّالّة، ولم يقيّد بشي ء مثل الصّفا والمروة وغير ذلك، فكلّ ما هو من شعائر اللّه وآياته وعلاماته المذكّرة له، فتعظيمه من تقوى اللّه، ويشمله جميع الآيات الآمرة بالتّقوى.

نعم لا يخفى لذي مسكة أنّ إعطاء الاستقلال لهذه الشّعائر والآيات في قبال اللّه، واعتقاد أنّها تملك لنفسها أو غيرها نفعا أو ضرّا أو موتا أو حياة أو نشورا، إخراج لها عن كونها شعائر وآيات، وإدخال لها في حظيرة الألوهيّة، وشرك باللّه العظيم، والعياذ باللّه تعالى.

2 -زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ... آل عمران: 14

الفخر الرّازيّ: حُبُّ الشَّهَواتِ فيه أبحاث ثلاثة:

الأوّل: أنّ الشّهوات هاهنا هي الأشياء المشتهيات ...

البحث الثّاني: قال المتكلّمون: دلّت هذه الآية على أنّ الحبّ غير الشّهوة، لأنّه أضاف الحبّ إلى الشّهوة والمضاف غير المضاف إليه، والشّهوة من فعل اللّه تعالى، والمحبّة من أفعال العباد، وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كلّ غرضه وعيشه في طلب اللّذّات والطّيّبات.

البحث الثّالث: قالت الحكماء: الإنسان قد يحبّ شيئا ولكنّه يحبّ أن لا يحبّه، مثل المسلم فإنّه قد يميل طبعه إلى بعض المحرّمات لكنّه يحبّ أن لا يحبّ. وأمّا من أحبّ شيئا وأحبّ أن يحبّه، فذاك هو كمال المحبّة.

فإن كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السّعادة، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السّلام: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ ص: 32. ومعناه أحبّ الخير وأحبّ أن أكون محبّا للخير.

وإن كان ذلك في جانب الشّرّ، فهو كما قال في هذه الآية، فإنّ قوله: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ يدلّ على أمور ثلاثة مرتّبة: أوّلها: أنّه يشتهي أنواع المشتهيات، وثانيها: أنّه يحبّ شهوته لها، وثالثها: أنّه يعتقد أنّ تلك المحبّة حسنة وفضيلة، ولمّا اجتمعت في هذه القضيّة الدّرجات الثّلاث بلغت الغاية القصوى في الشّدّة والقوّة، ولا يكاد ينحلّ إلّا بتوفيق عظيم من اللّه تعالى.

ثمّ إنّه تعالى أضاف ذلك إلى (النّاس) وهو لفظ عامّ دخله حرف التّعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللّفظ يقتضي أنّ هذا المعنى حاصل لجميع النّاس، والعقل أيضا يدلّ عليه، وهو أنّ كلّ ما كان لذيذا ونافعا فهو محبوب ومطلوب لذاته.

واللّذيذ النّافع قسمان: جسمانيّ وروحانيّ، والقسم الجسمانيّ حاصل لكلّ أحد في أوّل الأمر، وأمّا القسم الرّوحانيّ فلا يكون إلّا في الإنسان الواحد على سبيل النّدرة، ثمّ ذلك الإنسان إنّما يحصل له تلك اللّذّة الرّوحانيّة بعد استئناس النّفس باللّذّات الجسمانيّة، فيكون انجذاب النّفس إلى اللّذّات الجسمانيّة كالملكة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت