فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 572
بذله عند الاستغناء عنه، على ما قال: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ آل عمران: 92.
وثانيها: أنّ إعطاءه حال الصّحّة أدلّ على كونه متيقّنا بالوعد والوعيد، من إعطائه حال المرض والموت.
وثالثها: أنّ إعطاءه حال الصّحّة أشقّ، فيكون أكثر ثوابا، قياسا على ما يبذله الفقير من جهد المقلّ، فإنّه يزيد ثوابه على ما يبذله الغنيّ.
ورابعها: أنّ من كان ماله على شرف الزّوال، فوهبه من أحد، مع العلم بأنّه لو لم يهبه منه لضاع، فإنّ هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم يكن خائفا من ضياع المال، ثمّ إنّه وهبه منه طائعا، وراغبا، فكذاها هنا.
وخامسها: أنّه متأيّد بقوله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وقوله: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ الدّهر: 8، أي على حبّ الطّعام، وعن أبي الدّرداء أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال:"مثل الّذي تصدّق عند الموت مثل الّذي يهدي بعد ما شبع".
القول الثّاني: أنّ الضّمير يرجع إلى الإيتاء، كأنّه قيل: يعطي ويحبّ الإعطاء رغبة في ثواب اللّه.
الثّالث: أنّ الضّمير عائد على اسم اللّه تعالى، يعني يعطوون المال على حبّ اللّه، أي على طلب مرضاته.
القرطبيّ: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ استدلّ به من قال: إنّ في المال حقّا سوى الزّكاة وبها كمال البرّ.
وقيل: المراد الزّكاة المفروضة؛ والأوّل أصحّ. [إلى أن قال:]
الضّمير في (حبّه) اختلف في عوده، فقيل: يعود على المعطي للمال، وحذف المفعول وهو المال. ويجوز نصب ذَوِي الْقُرْبى ب"الحبّ"فيكون التّقدير: على حبّ المعطي ذوي القربى.
وقيل: يعود على المال، فيكون المصدر مضافا إلى المفعول. قال ابن عطيّة: ويجي ء قوله: عَلى حُبِّهِ اعتراضا بليغا أثناء القول.
قلت: ونظيره قوله الحقّ: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا فإنّه جمع المعنيين، الاعتراض وإضافة المصدر إلى المفعول، أي على حبّ الطّعام. ومن الاعتراض قوله الحقّ: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ النّساء: 124، وهذا عندهم يسمّى التّتميم، وهو نوع من البلاغة ويسمّى أيضا الاحتراس والاحتياط، فتمّم بقوله: عَلى حُبِّهِ وقوله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ. [ثمّ استشهد بأبيات من الشّعر]
وقيل: يعود على الإيتاء، لأنّ الفعل يدلّ على مصدره، وهو كقوله تعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ آل عمران:
1، أي البخل خيرا لهم، فإذا أصابت النّاس حاجة أو فاقة فإيتاء المال حبيب إليهم.
وقيل: يعود على اسم اللّه تعالى، في قوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ.
والمعنى المقصود أن يتصدّق المرء في هذه الوجوه، وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويأمن البقاء.
البيضاويّ: أي على حبّ المال، كما قال عليه