فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 578
جعلنا اللّه ممّن يحبّهم ويحبّونه بمنّه وكرمه. (2: 54)
أبو حيّان: (و يحبّونه) معطوف على قوله: (يحبّهم) فهو في موضع جرّ. [ثمّ أدام الكلام نحو الزّمخشريّ]
السّمين: قوله تعالى: (يحبّهم) في محلّ جرّ لأنّها صفة ل (قوم) ، و (يحبّونه) فيه وجهان؛ أظهرهما: أنّه معطوف على ما قبله، فيكون في محلّ جرّ أيضا، فوصفهم بصفتين: وصفهم بكونه تعالى يحبّهم، وبكونهم يحبّونه.
والثّاني: أجازه أبو البقاء: أن يكون في محلّ نصب على الحال من الضّمير المنصوب في (يحبّهم) قال:
تقديره: وهم يحبّونه.
قلت: وإنّما قدّر أبو البقاء لفظة"هم"ليخرج بذلك من إشكال: وهو أنّ المضارع المثبت متى وقع حالا وجب تجرّده من الواو، نحو: قمت أضحك، ولا يجوز:
وأضحك، وإن ورد شي ء أوّل بما ذكره أبو البقاء كقولهم:
قمت وأصكّ عينه، وقوله:* نجوت وأرهنهم مالكا* أي وأنا أصكّ، وأنا أرهنهم، فتؤوّل الجملة إلى جملة إسميّة فيصحّ اقترانها بالواو.
ولكن لا ضرورة في الآية الكريمة تدعو إلى ذلك حتّى يرتكب، فهو قول مرجوح. وقدّمت محبّة اللّه تعالى على محبّتهم لشرفها وسبقها؛ إذ محبّته تعالى لهم عبارة عن إلهامهم فعل الطّاعة، وإثابته إيّاهم عليها. (2: 547)
الآلوسيّ: [بقوم يحبّهم] محبّة تليق بشأنه تعالى، [ثمّ حكى قول الزّمخشريّ بطوله وقال:]
وقد خلط فيه الغثّ بالسّمين، فأطلق القول بالقدح الفاحس في المتصوّفة، ونسب إليهم مالا يعبأ بمرتكبه ولا يعدّ في البهائم فضلا عن خواصّ البشر، ولا يلزم من تسمّي طائفة بهذا الاسم غاصبين له من أهله، ثمّ ارتكابهم ما نقل عنهم، بل وزيادة أضعاف أضعافه ممّا نعلمه من هذه الطّائفة في زماننا، ممّا ينافي حال المسمّين به حقيقة أن نؤاخذ الصّالح بالطّالح، ونضرب رأس البعض بالبعض وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى الأنعام:
وتحقيق هذا المقام على ما ذكره ابن المنير في"الانتصاف"أنّه لا شكّ أنّ تفسير محبّة العبد للّه تعالى بطاعته له سبحانه، على خلاف الظّاهر، وهو من المجاز الّذي يسمّى فيه المسبّب باسم السّبب، والمجاز لا يعدل إليه عن الحقيقة إلّا بعد تعذّرها، فليمتحن حقيقة المحبّة لغة بالقواعد، لننظر أهي ثابتة للعبد متعلّقة باللّه تعالى أم لا؟ فالمحبّة لغة: ميل المتّصف بها إلى أمر ملذّ.
واللّذّات الباعثة على المحبّة منقسمة إلى: مدرك بالحسن كلذّة الذّوق في المطعوم، ولذّة النّظر في الصّور المستحسنة إلى غير ذلك؛ وإلى لذّة مدركة بالعقل كلذّة الجاه والرّئاسة والعلوم وما يجري مجراها، فقد ثبت أنّ في اللّذّات الباعثة على المحبّة ما لا يدركه إلّا العقل دون الحسّ، ثمّ تتفاوت المحبّة ضرورة بحسب تفاوت البواعث عليها، فليس اللّذّة برئاسة الإنسان على أهل قرية كلذّته بالرّئاسة على أقاليم معتبرة، وإذا تفاوتت المحبّة بحسب تفاوت البواعث فلذّات العلوم أيضا متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات، وليس معلوم أكمل ولا أجلّ من المعبود الحقّ، فاللّذّة الحاصلة من معرفته ومعرفة جلاله وكماله تكون أعظم، والمحبّة المنبعثة عنها