فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 579
تكون أمكن، وإذا حصلت هذه المحبّة بعثت على الطّاعات والموافقات.
فقد تحصّل من ذلك أنّ محبّة العبد لربّه سبحانه ممكنة بل واقعة من كلّ مؤمن، فهي من لوازم الإيمان وشروطه، والنّاس فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم. وإذا كان كذلك وجب تفسير محبّة العبد للّه عزّ وجلّ بمعناها الحقيقيّ لغة، وكانت الطّاعات والموافقات كالمسبّب عنها والمغاير لها.
ألا ترى إلى الأعرابيّ الّذي سأل عن"السّاعة"فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم:"ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير عمل ولكن حبّ اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم، فقال عليه الصّلاة والسّلام: المرء مع من أحبّ". فهذا ناطق بأنّ المفهوم من المحبّة للّه تعالى غير الأعمال والتزام الطّاعات، لأنّ الأعرابيّ نفاها وأثبت الحبّ، وأقرّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ذلك، ثمّ أثبت إجراء محبّة العبد للّه تعالى على حقيقتها لغة، والمحبّة إذا تأكّدت سمّيت عشقا، فهو المحبّة البالغة المتأكّدة.
والقول بأنّه عبارة عن المحبّة فوق قدر المحبوب، فيكفر من قال: أنا عاشق للّه تعالى أو لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم- كما قال له بعض ساداتنا الحنفيّة- في حيّز المنع عندي.
والمعترفون بتصوّر محبّة العبد للّه عزّ شأنه بالمعنى الحقيقيّ ينسبون المنكرين إلى أنّهم جهلوا فأنكروا، كما أنّ الصّبيّ ينكر على من يعتقد أنّ وراء اللّعب لذّة من جماع أو غيره، والمنهمك في الشّهوات والغرام بالنّساء يظنّ أن ليس وراء ذلك لذّة من رئاسة أو جاه أو نحو ذلك، وكلّ طائفة تسخر ممّا فوقها وتعتقد أنّهم مشغولون في غير شي ء.
قال حجّة الإسلام الغزاليّ روّح اللّه تعالى روحه: والمحبّون للّه تعالى يقولون لمن أنكر عليهم ذلك: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ هود:
38.انتهى، مع أدنى زيادة ولم يتكلّم على معنى محبّة اللّه تعالى للعبد، وأنت تعلم أنّ ذلك من المتشابه، والمذاهب فيه مشهورة، وقد قدّمنا طرفا من الكلام في هذا المقام، فتذكّر. (6: 162)
القاسميّ: مذهب السّلف في المحبّة المسندة له تعالى، أنّها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شي ء من خصائصها، كما تقدّم في الفاتحة في الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.
فتأويل مثل الزّمخشريّ لها بإثابته تعالى لهم أحسن الثّواب، وتعظيمهم والثّناء عليهم والرّضا عنهم، تفسير باللّازم، منزع كلاميّ لا سلفيّ. وقد أنكر الزّمخشريّ أيضا كون محبّة العباد للّه حقيقيّة، وفسّرها بالطّاعة وابتغاء المرضاة. [ثمّ ردّ كلام الزّمخشريّ بما تقدّم عن"الانتصاف"في كلام الآلوسيّ] (6: 2037)
رشيد رضا: وصف اللّه هؤلاء الكملة من المؤمنين بستّ صفات:
الأولى: أنّه تعالى يحبّهم، فالحبّ من الصّفات الّتي أسندت إلى اللّه تعالى في كتابه وعلى لسان نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو تعالى يحبّ ويبغض كما يليق بشأنه، ولا يشبه حبّه حبّ البشر، لأنّه لا يشبه البشر لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ الشّورى: 11، وكذلك علمه لا يشبه علم البشر ولا قدرته تشبه قدرتهم. ولا نتأوّل حبّه بالإثابة وحسن