فهرس الكتاب

الصفحة 6032 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 581

والعبد من صنع يديه سبحانه وهو الجليل العظيم، الحيّ الدّائم، الأزليّ الأبديّ، الأوّل والآخر والظّاهر والباطن.

وحبّ العبد لربّه نعمة لهذا العبد لا يدركها، كذلك إلّا من ذاقها. وإذا كان حبّ اللّه لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما، وفضلا غامرا جزيلا، فإنّ إنعام اللّه على العبد بهدايته لحبّه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد، الّذي لا نظير له في مذاقات الحبّ كلّها ولا شبيه، هو إنعام هائل عظيم، وفضل غامر جزيل.

وإذا كان حبّ اللّه لعبد من عبيده أمرا فوق التّعبير أن يصفه، فإنّ حبّ العبد لربّه أمر فلمّا استطاعت العبارة أن تصوّره إلّا في فلتات قليلة من كلام المحبّين. وهذا هو الباب الّذي تفوّق فيه الواصلون من رجال التّصوّف الصّادقين- وهم قليل من بين ذلك الحشد الّذي يلبس مسوح التّصوّف ويعرف في سجلّهم الطّويل- ولا زالت أبيات رابعة العدويّة تنقل إلى حسّي مذاقها الصّادق لهذا الحبّ الفريد، وهي تقول:

فليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الّذي بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب

إذا صحّ منك الودّ فالكلّ هيّن ... وكلّ الّذي فوق التّراب تراب

وهذا الحبّ من الجليل للعبد من العبيد، والحبّ من العبد للمنعم المتفضّل، يشيع في هذا الوجود ويسري في هذا الكون العريض، وينطبع في كلّ حيّ وفي كلّ شي ء، فإذا هو جوّ وظلّ يغمران هذا الوجود، ويغمران الوجود الإنسانيّ كلّه، ممثّلا في ذلك العبد المحبّ المحبوب.

والتّصوّر الإسلاميّ يربط بين المؤمن وربّه بهذا الرّباط العجيب الحبيب، وليست مرّة واحدة ولا فلتة عابرة، إنّما هو أصل وحقيقة وعنصر في هذا التّصوّر أصيل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا مريم: 96، إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ هود:

90، وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ البروج: 14، وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ البقرة: 186، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ البقرة: 165، قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران: 31، وغيرها كثير.

وعجبا لقوم يمرّون على هذا كلّه، ليقولوا: إنّ التّصوّر الإسلاميّ تصوّر جافّ عنيف، يصوّر العلاقة بين اللّه والإنسان علاقة قهر وقسر، وعذاب وعقاب، وجفوة وانقطاع، لا كالتّصوّر الّذي يجعل المسيح ابن اللّه وأقنوم الإله، فيربط بين اللّه والنّاس، في هذا الازدواج!

إنّ نصاعة التّصوّر الإسلاميّ في الفصل بين حقيقة الألوهيّة وحقيقة العبوديّة، لا تجفّف ذلك النّدى الحبيب، بين اللّه والعبيد، فهي علاقة الرّحمة كما أنّها علاقة العدل، وهي علاقة الودّ كما أنّها علاقة التّجريد، وهي علاقة الحبّ كما أنّها علاقة التّنزيه. إنّه التّصوّر الكامل الشّامل لكلّ حاجات الكينونة البشريّة في علاقتها بربّ العالمين.

وهنا في صفة العصبة المؤمنة المختارة لهذا الدّين يرد ذلك النّصّ العجيب: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ويطلق شحنته كلّها في هذا الجوّ، الّذي يحتاج إليه القلب المؤمن، وهو يضطلع بهذا العب ء الشّاقّ، شاعرا أنّه الاختيار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت