فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 582
والتّفضّل والقربى من المنعم الجليل. (2: 918)
الطّباطبائيّ: وأمّا قوله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ فالحبّ مطلق معلّق على الذّات من غير تقييده بوصف أو غير ذلك، أمّا حبّهم للّه فلازمه إيثارهم ربّهم على كلّ شي ء سواه، ممّا يتعلّق به نفس الإنسان من مال أو جاه أو عشيرة أو غيرها. فهؤلاء لا يوالون أحدا من أعداء اللّه سبحانه، وإن والوا أحدا فإنّما يوالون أولياء اللّه بولاية اللّه تعالى.
وأمّا حبّه تعالى لهم فلازمه براءتهم من كلّ ظلم، وطهارتهم من كلّ قذارة معنويّة، من الكفر والفسق بعصمة أو مغفرة إلهيّة عن توبة؛ وذلك أنّ جمل المظالم والمعاصي غير محبوبة للّه كما قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ آل عمران: 32، وقال: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ آل عمران: 57، وقال: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ الأنعام: 41، وقال: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ المائدة: 64، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ البقرة: 190، وقال: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ النّحل: 23، وقال: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ الأنفال: 58، إلى غير ذلك من الآيات.
وفي هذه الآيات جماع الرّذائل الإنسانيّة، وإذا ارتفعت عن إنسان بشهادة محبّة اللّه له اتّصف بما يقابلها من الفضائل، لأنّ الإنسان لا مخلص له عن أحد طرفي الفضيلة والرّذيلة إذا تخلّق بخلق.
فهؤلاء هم المؤمنون باللّه حقّا غير مشوب إيمانهم بظلم، وقد قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ الأنعام: 82، فهم مأمونون من الضّلال، وقد قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ النّحل: 37، فهم في أمن إلهيّ من كلّ ضلالة، وعلى اهتداء إلهيّ إلى صراطه المستقيم، وهم بإيمانهم الّذي صدّقهم اللّه فيه مهديّون إلى اتّباع الرّسول والتّسليم التّامّ له كتسليمهم للّه سبحانه، قال تعالى:
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا النّساء: 65.
وعند ذلك يتمّ أنّهم من مصاديق قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران:
31، وبه يظهر أنّ اتّباع النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ومحبّة اللّه متلازمان، فمن اتّبع النّبيّ أحبّه اللّه ولا يحبّ اللّه عبدا إلّا إذا كان متّبعا لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله.
وإذا اتّبعوا الرّسول اتّصفوا بكلّ حسنة يحبّها اللّه ويرضاها كالتّقوى والعدل والإحسان والصّبر والثّبات والتّوكّل والتّوبة والتّطهّر وغير ذلك، قال تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ آل عمران: 76، وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ البقرة: 195، وقال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ آل عمران: 146، وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ الصّفّ: 4، وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ آل عمران:
159، وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ البقرة: 222، إلى غير ذلك من الآيات.
وإذا تتبّعت الآيات الشّارحة لآثار هذه الأوصاف وفضائل تتعقّبها، عثرت على أمور جمّة من الخصال الحسنة، ووجدت أنّ جميعها تنتهي إلى أنّ أصحابها هم