فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 584
المسألة الأولى: أمّا الكلام المستقصى في المحبّة، فقد تقدّم في تفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ البقرة: 165، والمتكلّمون مصرّون على أنّ محبّة اللّه تعالى: عبارة عن محبّة إعظامه وإجلاله، أو محبّة طاعته، أو محبّة ثوابه، قالوا: لأنّ المحبّة من جنس الإرادة، والإرادة لا تعلّق لها إلّا بالحوادث وإلّا بالمنافع.
واعلم أنّ هذا القول ضعيف؛ وذلك لأنّه لا يمكن أن يقال في كلّ شي ء: إنّه إنّما كان محبوبا لأجل معنى آخر، وإلّا لزم التّسلسل والدّور، فلا بدّ من الانتهاء إلى شي ء يكون محبوبا بالذّات، كما أنّا نعلم أنّ اللّذّة محبوبة لذاتها، فكذلك نعلم أنّ الكمال محبوب لذاته.
وكذلك أنّا إذا سمعنا أخبار رستم واسفنديار في شجاعتهما مال القلب إليهما، مع أنّا نقطع بأنّه لا فائدة لنا في ذلك الميل، بل ربّما نعتقد أنّ المحبّة معصية لا يجوز لنا أن نصرّ عليها، فعلمنا أنّ الكمال محبوب لذاته، كما أنّ اللّذّة محبوبة لذاتها، وكمال الكمال للّه سبحانه وتعالى، فكان ذلك يقتضي كونه محبوبا لذاته من ذاته، ومن المقرّبين عنده الّذين تجلّى لهم أثر من آثار كماله وجلاله. قال المتكلّمون: وأمّا محبّة اللّه تعالى للعبد فهي عبارة عن إرادته تعالى إيصال الخيرات والمنافع في الدّين والدّنيا إليه.
المسألة الثّانية: القوم كانوا يدعون أنّهم كانوا محبّين للّه تعالى، وكانوا يظهرون الرّغبة في أن يحبّهم اللّه تعالى، والآية مشتملة على أنّ الإلزام من وجهين:
أحدهما: إن كنتم تحبّون اللّه فاتّبعوني لأنّ المعجزات دلّت على أنّه تعالى أوجب عليكم متابعتي.
الثّاني: إن كنتم تحبّون أن يحبّكم اللّه فاتّبعوني، لأنّكم إذا اتّبعتموني فقد أطعتم اللّه، واللّه تعالى يحبّ كلّ من أطاعه. وأيضا فليس في متابعتي إلّا أنّي دعوتكم إلى طاعة اللّه تعالى وتعظيمه، وترك تعظيم غيره، ومن أحبّ اللّه كان راغبا فيه، لأنّ المحبّة توجب الإقبال بالكلّيّة على المحبوب، والإعراض بالكلّيّة عن غير المحبوب. (8: 18)
نحوه النّيسابوريّ. (3: 169)
القرطبيّ: ومحبّة اللّه للعباد: إنعامه عليهم بالغفران، قال اللّه تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ آل عمران:
32، أي لا يغفر لهم. (4: 60)
البيضاويّ: المحبّة: ميل النّفس إلى الشّي ء لكمال أدرك فيه؛ بحيث يحملها على ما يقرّبها إليه، والعبد إذا علم أنّ الكمال الحقيقيّ ليس إلّا للّه، وأنّ كلّ ما يراه كمالا من نفسه أو غيره فهو من اللّه وباللّه وإلى اللّه، لم يكن حبّه إلّا للّه، وفي اللّه. وذلك يقتضي إرادة طاعته والرّغبة فيما يقرّبه، فلذلك فسّرت المحبّة بإرادة الطّاعة، وجعلت مستلزمة لاتّباع الرّسول في عبادته والحرص على مطاوعته. يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ جواب للأمر، أي يرضى عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتّجاوز عمّا فرط منكم، فيقرّبكم من جناب عزّه ويبوّئكم في جوار قدسه، عبّر عن ذلك بالمحبّة على طريق الاستعارة أو المقابلة. (1: 156)
مثله أبو السّعود (1: 355) ، والبروسويّ (2: 22) ، ونحوه الخازن (1: 284) ، وأبو حيّان (2: 431) ، والكاشانيّ (1: 303) .