فهرس الكتاب

الصفحة 6036 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 585

ابن كثير: هذه الآية الكريمة حاكمة على كلّ من ادّعى محبّة اللّه وليس هو على الطّريقة المحمّديّة، فإنّه كاذب في دعواه في نفس الأمر حتّى يتّبع الشّرع المحمّديّ، والدّين النّبويّ في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصّحيح عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال:"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ"ولهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبّتكم إيّاه وهو محبّته إيّاكم، وهو أعظم من الأوّل. (2: 29)

الآلوسيّ: ذهب عامّة المتكلّمين إلى أنّ المحبّة نوع من الإرادة، وهي لا تتعلّق حقيقة إلّا بالمعاني والمنافع، فيستحيل تعلّقها بذاته تعالى وصفاته، فهي هنا بمعنى إرادة العبد اختصاصه تعالى بالعبادة؛ وذلك إمّا من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللّازم، أو من باب الاستعارة التّبعيّة بأن شبّه إرادة العبد ذلك ورغبته فيه بميل قلب المحبّ إلى المحبوب، ميلا لا يلتفت معه إلّا إليه، أو من باب مجاز النّقص، أي إن كنتم تحبّون طاعة اللّه تعالى أو ثوابه فاتّبعوني فيما أمركم به وأنهاكم عنه، كذا قيل.

وهو خلاف مذهب العارفين من أهل السّنّة والجماعة، فإنّهم قالوا: المحبّة تتعلّق حقيقة بذات اللّه تعالى، وينبغي للكامل أن يحبّ اللّه سبحانه لذاته، وأمّا محبّة ثوابه فدرجة نازلة.

قال الغزاليّ عليه الرّحمة في"الإحياء": الحبّ عبارة عن ميل الطّبع إلى الشّي ء الملذّ، فإن تأكّد ذلك الميل وقوي يسمّى عشقا، والبغض عبارة عن نفرة الطّبع عن المؤلم المتعب، فإذا قوي سمّي مقتا. ولا يظنّ أنّ"الحبّ"مقصور على مدركات الحواسّ الخمس حتّى يقال: إنّه سبحانه لا يدرك بالحواسّ ولا يتمثّل بالخيال فلا يحبّ، لأنّه صلّى اللّه عليه وسلّم سمّى الصّلاة: قرّة عين، وجعلها أبلغ المحبوبات، ومعلوم أنّه ليس للحواسّ الخمس فيها حظّ بل حسّ سادس مظنّته القلب، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظّاهر. والقلب أشدّ إدراكا من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصّور الظّاهرة للأبصار، فتكون لا محالة لذّة القلوب بما تدركه من الأمور الشّريفة الإلهيّة الّتي تجلّ أن تدركها الحواسّ أتمّ وأبلغ، فيكون ميل الطّبع السّليم والعقل الصّحيح إليه أقوى، ولا معنى للحبّ إلّا الميل إلى ما في إدراكه لذّة، فلا ينكر إذا حبّ اللّه تعالى إلّا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يجز إدراكه الحواسّ أصلا، نعم هذا الحبّ يستلزم الطّاعة.

والقول: بأنّ المحبّة تقتضي الجنسيّة بين المحبّ والمحبوب، فلا يمكن أن تتعلّق باللّه تعالى، ساقط من القول لأنّها قد تتعلّق بالأعراض بلا شبهة ولا جنسيّة بين العرض والجوهر.

يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ جواب الأمر، وهو رأي الخليل.

وأكثر المتأخّرين على أنّ مثل ذلك جواب شرط مقدّر، أي إن تتّبعوني يحببكم، أي يقرّبكم، رواه ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة.

وقيل: يرض عنكم، وعبّر عن ذلك بالمحبّة على طريق المجاز المرسل أو الاستعارة أو المشاكلة. وجعل بعضهم نسبة المحبّة للّه تعالى من المتشابه الّذي لا يعلم تأويله إلّا اللّه تعالى. (3: 129)

رشيد رضا: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت