فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 587
صدق ما ذكرناه.
فالعبد المخلص للّه بالحبّ لا بغية له إلّا أن يحبّه اللّه سبحانه، كما أنّه يحبّ اللّه، ويكون اللّه له كما يكون هو للّه عزّ اسمه، فهذا هو حقيقة الأمر. غير أنّ اللّه سبحانه لا يعدّ في كلامه كلّ حبّ له حبّا- والحبّ في الحقيقة هو العلقة الرّابطة الّتي تربط أحد الشّيئين بالآخر- على ما يقضي به ناموس الحبّ الحاكم في الوجود. فإنّ حبّ الشّي ء يقتضي حبّ جميع ما يتعلّق به، ويوجب الخضوع والتّسليم لكلّ ما هو في جانبه، واللّه سبحانه هو اللّه الواحد الأحد الّذي يعتمد عليه كلّ شي ء في جميع شؤون وجوده ويبتغي إليه الوسيلة، ويصير إليه كلّ ما دقّ وجلّ؛ فمن الواجب أن يكون حبّه والإخلاص له بالتّديّن له بدين التّوحيد وطريق الإسلام، على قدر ما يطيقه إدراك الإنسان وشعوره، وإنّ الدّين عند اللّه الإسلام، وهذا هو الدّين الّذي يندب إليه سفرائه، ويدعو إليه أنبيائه ورسله، وخاصّة دين الإسلام الّذي فيه من الإخلاص مالا إخلاص فوقه، وهو الدّين الفطريّ الّذي يختم به الشّرائع وطرق النّبوّة كما يختم بصادعه الأنبياء عليهم السّلام، وهذا الّذي ذكرناه ممّا لا يرتاب فيه المتدبّر في كلامه تعالى.
وقد عرف النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله سبيله الّذي سلكه بسبيل التّوحيد، وطريقة الإخلاص على ما أمره اللّه سبحانه، حيث قال: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يوسف: 108، فذكر أنّ سبيله الدّعوة إلى اللّه على بصيرة الإخلاص للّه من غير شرك، فسبيله دعوة وإخلاص، واتّباعه واقتفاء أثره إنّما هو في ذلك، فهو صفة من اتّبعه.
ثمّ ذكر اللّه سبحانه أنّ الشّريعة الّتي شرّعها لها صلّى اللّه عليه وآله هي الممثّلة لهذا السّبيل: سبيل الدّعوة والإخلاص، فقال: ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها الجاثية: 18، وذكر أيضا أنّه إسلام للّه؛ حيث قال: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ آل عمران: 20، ثمّ نسبه إلى نفسه وبيّن أنّه صراطه المستقيم، فقال: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ الأنعام: 153، فتبيّن بذلك كلّه أنّ الإسلام- وهو الشّريعة المشرّعة للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله الّذي مجموع المعارف الأصليّة والخلقيّة والعمليّة وسيرته في الحياة- هو سبيل الإخلاص عند اللّه سبحانه الّذي يعتمد ويبتني على الحبّ، فهو دين الإخلاص، وهو دين الحبّ.
ومن جميع ما تقدّم على طوله يظهر معنى الآية الّتي نحن بصدد تفسيرها، أعني قوله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ فالمراد- واللّه أعلم- إن كنتم تريدون أن تخلصوا للّه في عبوديّتكم بالبناء على الحبّ حقيقة فاتّبعوا هذه الشّريعة الّتى هي مبنيّة على الحبّ الّذي ممثّله الإخلاص والإسلام، وهو صراط اللّه المستقيم الّذي يسلك بسالكه إليه تعالى، فإن اتّبعتموني في سبيلي وشأنه هذا الشّأن أحبّكم اللّه وهو أعظم البشارة للمحبّ، وعند ذلك تجدون ما تريدون، وهذا هو الّذي يبتغيه محبّ بحبّه، هذا هو الّذي تقتضيه الآية الكريمة بإطلاقها.
وأمّا بالنّظر إلى وقوعها بعد الآيات النّاهية عن اتّخاذ