فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 593
الحاء الّتي من أقصى الحلق، والباء للشّفة الّتي هي نهايته، فللحاء الابتداء وللباء الانتهاء، وهذا شأن المحبّة وتعلّقها بالمحبوب، فإنّ ابتداءها منه وانتهاءها إليه.
ويقال في فعله: حببت فلانا بمعنى أصبت حبّة قلبه، نحو شغفته وكبدته وفأدته، وأحببت فلانا: جعلت قلبي معرّضا لأن يحبّه. لكن وضع في التّعارف محبوب موضع محبّ، واستعمل حببت أيضا في معنى أحببت، ولم يقولوا:
محبّ إلّا قليلا قال:
ولقد نزلت فلا تظنّي غيره ... منّي بمنزلة المحبّ المكرم
وأعطوا الحبّ حركة الضّمّ الّتي هي أشدّ الحركات وأقواها، مطابقة لشدّة حركة مسمّاه وقوّتها. وأعطوا الحبّ وهو المحبوب حركة الكسر لخفّتها عن الضّمّة، وذلك لخفّة ذكر المحبوب على قلوبهم وألسنتهم مع إعطائه حكم نظائره كنهد وذبح للمنهود والمذبوح وحمل للمحمول، فتأمّل هذا اللّطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين اللّفظ والمعنى يطلعك على قدر هذه اللّغة الشّريفة وإنّ لها لشأنا ليس كسائر اللّغات.
وقد ذكر اللّه تعالى ذلك في مواضع كثيرة من التّنزيل الحميديّ منها: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ المائده: 54، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ البقرة: 165، إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران: 31، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ آل عمران: 134، وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ آل عمران:
146، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ البقرة: 222، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ الصّفّ: 4، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ التّوبة: 4 فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا التّوبة: 108، إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ ص: 32، وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ الحجرات:
17، وقال تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ البقرة: 205، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ لقمان: 18، وقال تعالى: إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ التّوبة: 23، أي آثروه عليه.
وحقيقة الاستحباب أن يتحرّى الإنسان في الشّى ء أن يحبّه. واقتضى تعديته ب"على"معنى الإيثار.
وفي الحديث الصّحيح:"إذا أحبّ اللّه عبدا دعا جبرئيل فقال: إنّي أحبّ فلانا فأحبّه فيحبّه جبرئيل. ثمّ ينادي في السّماء فيقول: إنّ اللّه يحبّ فلانا فأحبّوه فيحبّه أهل السّماء. ثمّ يوضع له القبول في الأرض، وفي البغض ذكر مثل ذلك. وفي الصّحيح أيضا:"ثلاث من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون اللّه ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما. وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا للّه"."
وفي صحيح البخاريّ:"يقول اللّه تعالى: من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشي ء أحبّ إليّ من أداء ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه. فإذا أحببته كنت سمعه الّذي يسمع به، وبصره الّذي يبصر به، ويده الّتي يبطش بها، ورجله الّتي يمشي بها، وإن سألني أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنّه."
وفي الصّحيحين من حديث أمير السّريّة الّذي كان