فهرس الكتاب

الصفحة 6054 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 603

الواجب أن يكون حبّه والإخلاص له بالتّديّن له بدين التّوحيد وطريق الإسلام. [إلى أن قال كنتيجة البحث:] إن كنتم تريدون أن تخلصوا للّه في عبوديّتكم بالبناء على الحبّ حقيقة فاتّبعوا هذه الشّريعة الّتي هي مبنيّة على الحبّ ... فإن اتّبعوني في سبيلي- وشأنه هذا الشّأن- أحبّكم اللّه، وهو أعظم البشارة للمحبّ ..."."

2 -وقد جاءت فيهما علامة لحبّهم للّه، وهي في (40) اتّباع الرّسول الّذي مضى بيانه في كلام الطّباطبائيّ، وفي (41) أنّهم أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين. وهذه ثلاثة معايير لتبادل الحبّ بين العبد والرّبّ مرجعها القرب من اللّه والبعد عنه، فاتّباع الرّسول بوصفه رسولا من اللّه، والخضوع أمام المؤمنين بوصفهم آمنوا باللّه، والعزّة على الكافرين بوصفهم كفروا باللّه، هي ملاك القرب من اللّه والبعد عنه، ويختلفان زيادة ونقصا بحسبها شدّة وضعفا.

3 -وفي هذا التّحابّ وتبادل الحبّين بين العبد والرّبّ يكمن القرب بينهما وينجرّ إلى نوع من التّلاحم والاتّحاد والفناء يلمسه المحبّ ويباهي به، وهو جاهل بحقيقته، فإنّه من قبيل ما يدرك ولا يوصف، ويحسبه من لا يلمسه كفرا وجنونا، ولكنّ المحبّ يدّعي وينشد:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا ... نحن روحان حللنا بدنا

أو يصرّح:"ليس في جبّتي سوى اللّه"ممّا أنكره الفقهاء والمتشرّعون، وفيها حقّ وباطل، وزين وشين، وشطحات ولمحات.

4 -في حقيقة هذين الحبّين خلاف بين أهل الحديث والسّلفيّين من ناحية، وبين المتكلّمين من ناحية، وبينهما وبين العرفاء والمتصوّفة من ناحية ثالثة:

فأهل الحديث والسّلفيّة حملوا الحبّين على حقيقتهما، فقالوا في حبّه لغيره: إنّه صفة له كسائر صفاته، نثبتها ولا نأوّلها، بل حبّه كعلمه وقدرته وغيرهما وصف له يناسبه، ولا يشابه صفاتنا، لأنّه تعالى لا يشبه خلقه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ءٌ الشّورى: 11.

وأمّا حبّ العبد له تعالى فهو أيضا على حقيقته، يتعلّق بذاته من دون أن يحيط العبد بذاته وصفاته.

وأمّا المتكلّمون شيعة وسنّة فيأوّلون حبّ اللّه لخلقه ب"ثوابه وإكرامه لهم"، وحبّهم له ب"طاعتهم له، وشكرهم إيّاه، وتعظيمهم له"، وما بمعناها، زعما منهم أنّ المحبّة من جنس الإرادة، والإرادة لا تتعلّق إلّا بالحوادث، فلا تتعلّق بذات اللّه من قبل العبد، بل بطاعته وشكره، ونحوهما من الأعمال، ولا بذات العبد من قبل اللّه، بل بما أعطاهم من الهداية، واللّطف والتّوفيق للإيمان والعمل الصّالح، وللتّنعّم بالنّعم في الدّنيا، وبما وهبهم من الأجر والثّواب والغفران في الآخرة، ونحوها.

وأيضا ظنّا منهم أنّه لا بدّ من السّنخيّة بين المحبّ والمحبوب، ولا سنخيّة بين اللّه وخلقه.

وقد ردّ الفخر الرّازيّ وغيره كلتا الحجّتين، بأنّ الحبّ ليس من جنس الإرادة، ولا تجب السّنخيّة بين المحبّ والمحبوب، فإنّ الإنسان يحبّ الأشياء والأمتعة والأغذية، والحيوان كالطّير والفرس، ولا سنخيّة بينه وبينها، وما ذكروه في الحبّين فكلّه من آثارهما وليس عينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت