فهرس الكتاب

الصفحة 6055 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 604

وأمّا العرفاء والمتصوّفة فالحبّان عندهم على حقيقتهما يلمسونهما بقلوبهم، بل يعيشون الحبّين ليل نهار، ولا حياة ولا عيش لهم إلّا هذا التّحابّ، كما مضى ويأتي.

5 -والعجب ممّن يعدّون في زمرة المتكلّمين كالفخر الرّازيّ والغزاليّ- إلى حدّ- أو من الفلاسفة كالعلّامة الطّباطبائيّ يترائى منهم الميل إلى جانب العرفاء في الحبّين، وإليك نموذج من كلماتهم، والتّفصيل تقدّم في النّصوص:

قال الطّباطبائيّ في يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ:"فالحبّ معلّق على الذّات من غير تقييده بوصف أو غير ذلك، أمّا حبّهم للّه فلازمه إيثارهم ربّهم على كلّ شي ء، سواء ممّا يتعلّق به نفس الإنسان من مال أو جاه أو عشيرة أو غيرهما ... وأمّا حبّه تعالى لهم فلازمه براءتهم من كلّ ظلم، وطهارتهم من كلّ قذارة ... ذلك أنّ حمل المظالم والمعاصي غير محبوبة للّه- وذكر الآيات".

وقال الغزاليّ:"... ولا يظنّ أنّ الحبّ مقصور على مدركات الحواسّ الخمس حتّى يقال: إنّه سبحانه لا يدرك بالحواسّ ولا يتمثّل بالخيال فلا يحبّ، لأنّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم سمّى الصّلاة: قرّة عين، وجعلها أبلغ المحبوبات، ومعلوم أنّه ليس للحواسّ الخمس فيها حظّ، بل حسّ سادس مظنّته القلب، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظّاهر، والقلب أشدّ إدراكا من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصّور الظّاهرة للأبصار، فتكون لا محالة لذّة القلوب بما تدركه من الأمور الشّريفة الإلهيّة الّتي تجلّ أن تدركه الحواسّ، أتمّ وأبلغ، فيكون ميل الطّبع السّليم والعقل الصّحيح إليه أقوى، ولا معنى للحبّ إلّا الميل إلى ما في إدراكه لذّة فلا ينكر إذا حبّ اللّه تعالى إلّا من قعد به القصور في درجة البهائم، فلم يجز إدراكه الحواسّ أصلا ... والقول بأنّ المحبّة تقتضي الجنسيّة بين المحبّ والمحبوب، فلا يمكن أن تتعلّق باللّه تعالى ساقط من القول، لأنّها قد تتعلّق بالأعراض بلا شبهة ولا جنسيّة بين العرض والجوهر".

وأمّا الفخر الرّازيّ: فإنّه نقل الأقوال، ولكنّه يضع قول العارفين قبال قول المتكلّمين؛ حيث قال:"و أمّا العارفون فقد قالوا: العبد قد يحبّ اللّه تعالى لذاته، وأمّا حبّ خدمته، أو حبّ ثوابه فدرجة نازلة، فاحتجّوا بأنّا نجد اللّذّة محبوبة لذاتها، والكمال أيضا محبوب لذاته- وشرح حبّ اللّذّة والكمال وقال-: وأمّا العارفون الّذين قالوا: إنّه تعالى محبوب في ذاته ولذاته فهم الّذين انكشف لهم أنّ الكمال محبوب لذاته، وذلك لأنّ أكمل الكاملين هو الحقّ سبحانه وتعالى، فإنّه لوجوب وجوده غنيّ عن كلّ ما عداه، وكمال كلّ شي ء فهو مستفاد منه ..."ثمّ تحدّث عن الشّوق إلى اللّه، وفسّره بما لا مزيد عليه، فلاحظ.

وقال سيّد قطب:"فالحبّ والرّضى المتبادل هو الصّلة بينهم وبين ربّهم. الحبّ هذا الرّوح السّاري اللّطيف الرّفّاف المشرق الرّائق البشوش، هو الّذي يربط القوم بربّهم الودود ...".

6 -تبادل الحبّ بين العبد والرّبّ أعلى مراتب القرب إلى اللّه وذروته، ولا يبلغه إلّا المقرّبون، ولا يلمسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت