فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 605
إلّا من وهب له، ولا ينكره إلّا من حرم منه.
ثمّ إنّه أساس العرفان الإسلاميّ الّذي شاع التّعبير عنه عندهم ب"العشق"وعند العرفاء بالفناء والاتّحاد، ويوصف أثره بالفصل والوصل، وبالحضور والهجران، وإنّهم يشكون دائما عن ألم الهجران، ويتمنّون دائما الوصل، فحياتهم مستغرقة في الوصل والفراق.
وقد تجلّت هاتان الحالتان في كلماتهم نظما ونثرا في اللّغة العربيّة والفارسيّة وسائر لغات الشّعوب الإسلاميّة.
وأخصّ بالذّكر شعراء الفرس، فدواوينهم مثل"المثنوي"و"ديوان الشّمس"كلاهما لجلال الدّين المولويّ الرّوميّ (672 ه ق) ومثلهما دواوين عطّار النّيسابوريّ، والسّنائي والنّظامي والسّعدي والحافظ وغيرهم، فهي مليئة بذكر الحبيب والمعشوق ووصله وفراقه.
وقد بدأ المولويّ ديوانه"المثنوي"بالشّكاية عن ألم الهجران، وهو المحور في هذا الدّيوان حيث قال:
بشنو از نى چون حكايت مى كند ... واز جداييها شكايت مى كند ...
استمع النّاي كيف يحكي ويشكو عن الفراق.
هذا على صعيد الشّعر والأدب، وأمّا على صعيد الدّعاء فلا تسأل عنه، وحسبك فقرة من دعاء الكميل بن زياد المنسوب إلى عليّ بن أبيطالب عليه السّلام:".. فهبني يا إلهيّ وسيّدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك؟ وهبني صبرت على حرّ نارك فكيف أصبر عن النّظر إلى كرامتك ... ؟"
7 -ومثل تبادل الحبّ بين العبد والرّبّ في الآيتين، تبادل الرّضى بينهما في أربع آيات، جاءت بشأن المؤمنين المخلصين:
1 -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ المائدة: 119
2 -وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ التّوبة: 100
3 -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ المجادلة: 22
4 -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ البيّنة: 8
وقد قدّم فيها جميعا رضى الرّبّ على رضى العبد بسياق واحد: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ مع أنّ تبادل الحبّ في الآيتين- كما سبق- جاء بسياقين، فقدّم حبّ الرّبّ في إحداهما: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وأخّر في الأخرى: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.
ومع هذا الفارق بين الحبّ والرّضى في الآيات السّتّ فسياقها متّفق في التّعبير عن الرّبّ ب (اللّه) وبضميره، وعن العبد بضمير الجمع حضورا وغيابا.
(تحبّون، يحببكم، عنهم، رضوا) ، وكأنّ في ذلك تلاحما وتداخلا بين حبّ اللّه وحبّ العباد بوصفهم مجتمعين، وكذلك بين رضى اللّه ورضى العباد، فالتّبادل انتهى إلى التّلاحم والتّداخل، بل الفناء وانعدام العبد، فليس هناك إلّا هو، ولهذا فعند العارفين العمل والثّواب كلاهما من اللّه، وليس للعبد شي ء بل هو كالمعدوم.
قال المولويّ:"اى دعا از تو اجابت هم ز تو".