فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 609
المعبود بالمحبّة كانت محبّته أتمّ.
أو لأنّهم يحبّونه عن علم بأنّه المنعم، فيعبدونه شاكرين راجين رحمته على يقين، بأنّه يملك النّفع والضّرّ، بخلاف المشركين حيث إنّهم ليسوا على يقين بأنّ أندادهم كذلك، بل يعترفون بأنّ اللّه خالق السّماوات والأرض، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لقمان: 25، أو لجميع ذلك كما جاء في النّصوص.
وقد جمع أبو حيّان الأقوال كلّها، فقال:"و مقتضى التّمييز بالأشدّيّة إفراد المؤمنين له بالمحبّة، أو لمعرفتهم بموجب الحبّ، أو لمحبّتهم إيّاه بالغيب، أو لشهادته تعالى لهم بالمحبّة؛ إذ قال: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ، أو لإقبال المؤمن على ربّه في السّرّاء والضّرّاء، والشّدّة والرّخاء، أو لعدم انتقاله عن مولاه، ولا يختار عليه سواه، أو لعلمه بأنّ اللّه خالق الصّنم، وهو الضّارّ النّافع، أو لكون حبّه بالعقل والدّليل، أو لامتثال أمره حتّى في القيامة حين يأمر اللّه تعالى من عبده لا يشرك به شيئا، أن يقتحم النّار فيبادرون إليها فبرّد عليهم النّار، فينادي مناد تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ويأمر من عبد الأصنام أن يدخل معهم النّار فيجزعون، قاله ابن جبير، تسعة أقوال ثبت تعاريفها ومقابلاتها لمتّخذ الأنداد، هذه كلّها خصائص ميّز اللّه بها المؤمنين في حبّه على الكافرين، فذكر كلّ واحد من المفسّرين خصيصة، والمجموع هو المقتضى لتمييز الحبّ، فلا تباين بين الأقوال على هذا، لأنّ كلّ قول منها ليس على جهة الحصر فيه، إنّما هو مثال من أمثلة مقتضى التّمييز".
هذا كلّه على تقدير:"أشدّ حبّا للّه من حبّهم للأنداد"وعن الحسن:"من حبّهم للّه"فيأتي فيه ما مرّ من البحث في (كحبّ اللّه) ، لاحظ النّصوص.
2 -وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ جي ء بها توطئة لما يعقبها في آيتين بعدها: 166 و167 من بيان رخاوة حبّهم، وكونه حسرة عليهم، وتبرّؤهم من عبادة الأصنام وتبرّء الأصنام من عبادتهم: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ... وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ ....
3 -المفضّل عليه فيها محذوف، أي المؤمنون أشدّ حبّا للّه من حبّ المشركين لأندادهم، كما تقدّم.
4 -قالوا: إنّما عدل عن (احبّ) إلى (اشدّ حبّا) فلم يقل:"و الّذين آمنوا أحبّ للّه"، لأنّ (أحبّ) تفضيلا- كما يأتي- شاع في الأشدّ محبوبيّة، دون أشدّ حبّا.
5 -وما أحسن فيها كلام رشيد رضا: (أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) من كلّ ما سواه، لأنّ حبّهم له خاصّ به سبحانه لا يشركون فيه غيره، فحبّهم ثابت كامل، لأنّ متعلّقه هو الكمال المطلق الّذي يستمدّ منه كلّ كمال، وأمّا متّخذوا الأنداد فإنّ حبّهم متوزّع متزعزع، لا ثبات له ولا استقرار.
للمؤمن محبوب واحد يعتقد أنّ منه كلّ شي ء، وبيده ملكوت كلّ شي ء، وله القدرة والسّلطان على جميع الأكوان، فما ناله من خير كسبيّ فهو بتوفيقه وهدايته، وما جاءه بغير حساب فهو بتسخيره وعنايته، وما توجّه إليه من أمر فتعذّر عليه فهو يكله إليه، ويعوّل فيه عليه.