فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 670
وأحسن وهو مؤمن باللّه يوازن بين حسناته وسيّئاته، فإن كانت الإساءة أكثر كان كمن لم يحسن، وإن كان الإحسان أكثر كان كمن لم يسئ؛ إذ الأكثر ينفي الأقلّ، وإن تساويا كان كمن لم يصدر عنه شي ء.
والإحباط بعيد عن هذا المعنى كلّ البعد، ومعناه الصّحيح: أنّ من مات على الكفر بعد الإسلام يكشف كفره هذا عن أنّ أعماله الّتي أتى بها حين إسلامه لم تكن على الوجه المطلوب شرعا، ولا يستحقّ عليها شيئا منذ البدايّة، لا أنّه استحقّ الثّواب ثمّ ارتفع ونسخ بعد ثبوته، بل هو من باب الدّفع لا من باب الرّفع. (1: 326)
الطّباطبائيّ: والحبط هو بطلان العمل وسقوط تأثيره، ولم ينسب في القرآن إلّا إلى العمل، كقوله تعالى:
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ الزّمر: 65، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ محمّد: 32، 33، وذيل الآية يدلّ بالمقابلة على أنّ"الحبط"بمعنى بطلان العمل، كما هو ظاهر قوله تعالى: وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ هود: 16، ويقرب منه قوله تعالى:
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً الفرقان: 23.
وبالجملة"الحبط"هو بطلان العمل وسقوطه عن التّأثير، وقد قيل: إنّ أصله من: الحبط بالتّحريك وهو أن يكثر الحيوان من الأكل فينتفخ بطنه، وربّما أدّى إلى هلاكه.
والّذي ذكره تعالى من أثر الحبط: بطلان الأعمال في الدّنيا والآخرة معا، فللحبط تعلّق بالأعمال من حيث أثرها في الحياة الآخرة، فإنّ الإيمان يطيّب الحياة الدّنيا كما يطيّب الحياة الآخرة قال تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ النّحل:
97، وخسران سعي الكافر، وخاصّة من ارتدّ إلى الكفر بعد الإيمان، وحبط عمله في الدّنيا، ظاهر لا غبار عليه، فإنّ قلبه غير متعلّق بأمر ثابت، وهو اللّه سبحانه، يبتهج به عند النّعمة، ويتسلّى به عند المصيبة، ويرجع إليه عند الحاجة، قال تعالى: أَوَ مَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها الأنعام: 122، تبيّن الآية أنّ للمؤمن في الدّنيا حياة ونورا في أفعاله، وليس للكافر ومثله قوله تعالى: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى طه:
124، حيث يبيّن أنّ معيشة الكافر وحياته في الدّنيا ضنك ضيّقة متعبة، وبالمقابلة معيشة المؤمن وحياته سعيدة رحبة وسيعة.
وقد جمع الجميع ودلّ على سبب هذه السّعادة والشّقاوة قوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ محمّد: 11.
فظهر ممّا قرّبناه أنّ المراد بالأعمال: مطلق الأفعال الّتي يريد الإنسان بها سعادة الحياة، لا خصوص الأعمال العباديّة، والأفعال القربيّة الّتي كان المرتدّ عملها وأتى بها حال الإيمان، مضافا إلى أنّ"الحبط"وارد في مورد الّذين