فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 671
لا عمل عباديّ، ولا فعل قربيّ لهم كالكفّار والمنافقين، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ* ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ محمّد: 7، 9، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ آل عمران: 21، 22، إلى غير ذلك من الآيات.
فمحصّل الآية كسائر آيات الحبط هو أنّ الكفر والارتداد يوجب بطلان العمل عن أن يؤثّر في سعادة الحياة، كما أنّ الإيمان يوجب حياة في الأعمال تؤثّر بها أثرها في السّعادة، فإن آمن الإنسان بعد الكفر حييت أعماله في تأثير السّعادة بعد كونها محبطة باطلة، وإن ارتدّ بعد الإيمان ماتت أعماله جميعا وحبطت، فلا تأثير لها في سعادة دنيويّة ولا أخرويّة، لكن يرجى له ذلك إن هو لم يمت على الرّدّة، وإن مات على الرّدّة حتم له الحبط، وكتب عليه الشّقاء.
ومن هنا يظهر بطلان النّزاع في بقاء أعمال المرتدّ إلى حين الموت، والحبط عنده أو عدمه.
توضيح ذلك: أنّه ذهب بعضهم إلى أنّ أعمال المرتدّ السّابقة على ردّته باقية إلى حين الموت، فإن لم يرجع إلى الإيمان بطلت بالحبط عند ذلك، واستدلّ عليه بقوله تعالى: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ الآية.
وربّما أيّده قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا الفرقان: 23، فإنّ الآية تبيّن حال الكفّار عند الموت، ويتفرّع عليه أنّه لو رجع إلى الإيمان تملّك أعماله الصّالحة السّابقة على الارتداد.
وذهب آخرون إلى أنّ"الرّدّة"تحبط الأعمال من أصلها فلا تعود إليه وإن آمن من بعد الارتداد، نعم له ما عمله من الأعمال بعد الإيمان ثانيا إلى حين الموت. وأمّا الآية فإنّما أخذت قيد الموت، لكونها في مقام بيان جميع أعماله وأفعاله الّتي عملها في الدّنيا.
وأنت بالتّدبّر فيما ذكرناه تعرف، أن لا وجه لهذا النّزاع أصلا، وأنّ الآية بصدد بيان بطلان جميع أعماله وأفعاله، من حيث التّأثير في سعادته.
وهنا مسألة أخرى كالمتفرّعة على هذه المسألة، وهي مسألة الإحباط والتّكفير، وهي أنّ الأعمال هل تبطل بعضها بعضا أو لا تبطل، بل للحسنة حكمها وللسّيّئة حكمها، نعم الحسنات ربّما كفّرت السّيّئات بنصّ القرآن.
ذهب بعضهم إلى التّباطل والتّحابط بين الأعمال، وقد اختلف هؤلاء بينهم. فمن قائل: بأنّ كلّ لا حق من السّيّئة تبطل الحسنة السّابقة كالعكس، ولازمه أن لا يكون عند الإنسان من عمله إلّا حسنة فقط أو سيّئة فقط. ومن قائل: بالموازنة، وهو أن ينقص من الأكثر بمقدار الأقلّ ويبقى الباقي سليما عن المنافي. ولازم القولين جميعا أن لا يكون عند الإنسان من أعماله إلّا نوع واحد حسنة أو سيّئة، لو كان عنده شي ء منهما.
ويردّهما أوّلا قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا