فهرس الكتاب

الصفحة 6124 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 672

بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ التّوبة: 120، فإنّ الآية ظاهرة في اختلاف الأعمال وبقائها على حالها إلى أن تلحقها توبة من اللّه سبحانه، وهو ينافي التّحابط بأيّ وجه تصوّروه.

وثانيا: أنّه تعالى جرى في مسألة تأثير الأعمال على ما جرى عليه العقلاء في الاجتماع الإنسانيّ من طريق المجازاة، وهو الجزاء على الحسنة على حدة وعلى السّيّئة على حدة، إلّا في بعض السّيّئات من المعاصي الّتي تقطع رابطة المولويّة والعبوديّة من أصلها، فهو مورد الإحباط، والآيات في هذه الطّريقة كثيرة غنيّة عن الإيراد.

وذهب آخرون إلى أنّ نوع الأعمال محفوظة، ولكلّ عمل أثره سواء في ذلك الحسنة والسّيّئة.

نعم الحسنة ربّما كفّرت السّيّئة، كما قال تعالى:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ الأنفال: 29، وقال تعالى:

فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ الآية، البقرة:

203، وقال تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ النّساء: 31، بل بعض الأعمال يبدّل السّيّئة حسنة كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ الفرقان: 70.

وهنا مسألة أخرى هي كالأصل لهاتين المسألتين، وهي البحث عن وقت استحقاق الجزاء وموطنه، فقيل:

إنّه وقت العمل، وقيل: حين الموت، وقيل: الآخرة، وقيل: وقت العمل بالموافاة، بمعنى أنّه لو لم يدم على ما هو عليه حال العمل إلى حين الموت وموافاته، لم يستحقّ ذلك إلّا أن يعلم اللّه ما يؤول إليه حاله ويستقرّ عليه، فيكتب ما يستحقّه حال العمل.

وقد استدلّ أصحاب كلّ قول بما يناسبه من الآيات، فإنّ فيها ما يناسب كلّا من هذه الأوقات بحسب الانطباق، وربّما استدلّ ببعض وجوه عقليّة ملفّقة.

والّذي ينبغي أن يقال: إنّا لو سلكنا في باب الثّواب والعقاب والحبط والتّكفير وما يجري مجراها مسلك نتائج الأعمال، على ما بيّنّاه في تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها الآية، البقرة: 26، كان لازم ذلك كون النّفس الإنسانيّة ما دامت متعلّقة بالبدن جوهرا متحوّلا قابلا للتّحوّل في ذاته وفي آثار ذاته، من الصّور الّتي تصدر عنها وتقوم بها نتائج وآثار سعيدة أو شقيّة. فإذا صدر منه حسنة حصل في ذاته صورة معنويّة مقتضية لاتّصافه بالثّواب، وإذا صدر منه معصية فصورة معنويّة تقوم بها صورة العقاب.

غير أنّ الذّات لمّا كانت في معرض التّحوّل والتّغيّر بحسب ما يطرؤها من الحسنات والسّيّئات، كان من الممكن أن تبطل الصّورة الموجودة الحاضرة بتبدّلها إلى غيرها.

وهذا شأنها حتّى يعرضها الموت فتفارق البدن وتقف الحركة ويبطل التّحوّل واستعداده، فعند ذلك يثبت لها الصّور وآثارها ثبوتا لا يقبل التّحوّل والتّغيّر إلّا بالمغفرة أو الشّفاعة، على النّحو الّذي بيّنّاه سابقا.

وكذا لو سلكنا في الثّواب والعقاب مسلك المجازاة- على ما بيّنّاه فيما مرّ- كان حال الإنسان- من حيث اكتساب الحسنة والمعصية بالنّسبة إلى التّكاليف الإلهيّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت