فهرس الكتاب

الصفحة 6190 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 738

بأن قال: إنّ هذا الاستثناء منقطع، وهو قول محمّد بن جرير الطّبريّ، فقال: اليهود قد ضربت عليهم الذّلّة سواء كانوا على عهد من اللّه أو لم يكونوا، فلا يخرجون بهذا الاستثناء من الذّلّة إلى العزّة، فقوله: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ تقديره: لكن قد يعتصمون بحبل من اللّه وحبل من النّاس.

واعلم أنّ هذا ضعيف، لأنّ حمل لفظ (الّا) على"لكن"خلاف الظّاهر، وأيضا إذا حملنا الكلام على أنّ المراد: لكن قد يعتصمون بحبل من اللّه وحبل من النّاس، لم يتمّ هذا القدر، فلا بدّ من إضمار الشّي ء الّذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه، والإضمار خلاف الأصل، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلّا عند الضّرورة، فإذا كان لا ضرورة هاهنا إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز.

بل هاهنا وجه آخر، وهو أن يحمل الذّلّة على كلّ هذه الأشياء، أعني القتل والأسر، وسبي الذّراريّ وأخذ المال وإلحاق الصّغار والمهانة، ويكون فائدة الاستثناء هو أنّه لا يبقى مجموع هذه الأحكام؛ وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام، وهو أخذ القليل من أموالهم الّذي هو مسمّى بالجزية، وبقاء المهانة والحقارة والصّغار فيهم، فهذا هو القول في هذا الموضع.

المسألة الثّالثة: إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ فيه وجوه:

الأوّل: قال الفرّاء: التّقدير: إلّا أن يعتصموا بحبل من اللّه، وأنشد على ذلك:

رأتني بحبلها فصدّت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق

واعترضوا عليه، فقالوا: لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته، لأنّ الموصول هو الأصل، والصّلة فرع، فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه، أمّا حذف الأصل وإبقاء الفرع فهو غير جائز.

الثّاني: أنّ هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى، لأنّ معنى ضرب الذّلّة لزومها إيّاهم على أشدّ الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا تنفكّ عنهم، فكأنّه قيل: لا تنفكّ عنهم الذّلّة، ولن يتخلّصوا عنها إلّا بحبل من اللّه وحبل من النّاس.

الثّالث: أن تكون الباء بمعنى"مع"كقولهم: اخرج بنا نفعل كذا، أي معنا، والتّقدير: إلّا مع حبل من اللّه.

المسألة الرّابعة: المراد من (حبل اللّه) : عهده. وقد ذكرنا فيما تقدّم أنّ العهد إنّما سمّي بالحبل، لأنّ الإنسان لمّا كان قبل العهد خائفا، صار ذلك الخوف مانعا له من الوصول إلى مطلوبه، فإذا حصل العهد توصّل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه، فصار ذلك شبيها بالحبل الّذي من تمسّك به تخلّص من خوف الضّرر.

فإن قيل: إنّه عطف على حبل اللّه حبلا من النّاس، وذلك يقتضي المغايرة، فكيف هذه المغايرة؟

قلنا: قال بعضهم: (حبل اللّه) هو الإسلام، و (حبل النّاس) هو العهد والذّمّة. وهذا بعيد، لأنّه لو كان المراد ذلك، لقال: أو حبل من النّاس.

وقال آخرون: المراد بكلا الحبلين: العهد والذّمّة والأمان، وإنّما ذكر تعالى الحبلين، لأنّ الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن اللّه، وهذا عندي أيضا ضعيف.

والّذي عندي فيه: أنّ الأمان الحاصل للذّمّيّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت