فهرس الكتاب

الصفحة 6200 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 748

امرأة أبي لهب لم تشتغل بذلك للحاجة، بل وصفت بذلك لأنّها كانت تحمل في كلّ ليلة رزمة حطب ترميها في طريق النّبيّ عليه السّلام، فوصف حَمَّالَةَ الْحَطَبِ إشارة إلى تكرّر هذا العمل منها، وفي نفس الوقت يخطر بالبال أنّها كانت تعيش بها لحاجتها، كما أنّها إشارة أيضا إلى شدّة سعيها ومحاولتها اضطرارا، كمن كان شغله ذلك لدفع الحاجة، وأكلة من الطّعام.

ويزيد في الوهن بها وصفها بذلك عقيب ذمّ زوجها مباشرة بأخسّ الأوصاف تعبيرا عنها ب (امراته) دون اسمها"أمّ جميل".

والوصف الثّاني لها فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ تجسيما لحالتها الدّنيئة والمضطرّة حين حمل الحطب، وهي أنّ الحبل الّذي كانت تحمل به الحطب على ظهرها يمسّ جيدها بخشونة، وهو موضع القلادة والزّينة للنّساء، فبدّل موضع الزّينة والجمال والعزّة والفرح إلى موضع القبح والعيب والذّلّة والحزن.

2 -قالوا في حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ: حبل من ليف النّخل، حبل من شجر، حبل له خشونة اللّيف وحرارة النّار وثقل الحديد، حبل ذو ألوان، حبل جمع من أنواع مختلفة تتزيّن به- وهو أولى بالصّواب عند الطّبريّ- حبل ممّا مسّد من الحبال قلادة من ودع، حبال من شجر تنبت في اليمن لها مسد، سلسلة من حديد، الحديدة الّتي وسط البكرة. ولا شاهد لشي ء منها وكلّ محتمل.

3 -بعضهم جعل هذا الحبل نفس ما كانت تحتطب به، وبعضهم عدّها قلادة لها تحقيرا بدل قلادة من ذهب ونحوه، وبعضهم عدّها خبرا غيبيّا أنّها اختنقت به وماتت، وآخرون جعلوها وعيدا بعذابها في الآخرة؛ حيث قالوا: كانت لها قلادة فاخرة من جوهر فقالت:

واللّات والعزّى لأنفقنّها في عداوة محمّد، ويكون ذلك عذابا في جيدها يوم القيامة، أو أنّها نفس ... سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ الحاقّة: 32، تدخل من فيها، وتخرج من أسفلها، ويلوى سائرها على أعناقها.

وهذا- أي كونها وعيدا لها- يتناسق مع صدر السّورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ بناء على أنّه دعاء على أبي لهب، فليكن ذيلها دعاء على امرأته السّاعية معه في إيذاء النّبيّ عليه السّلام.

ثالثا: جاءت في القصّة الثّانية آيتان بلفظ واحد حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ وفيه بحوث أيضا:

1 -كلّ منهما مسبوقة وملحوقة بآيات تشرح مقابلة فرعون لموسى مستعينا بالسّحرة، وإبطال سحرهم من قبل موسى إذ واعدوا موسى لميقات يوم معلوم- وهو يوم الزّينة- في حفل من النّاس.

فجاء في (3) قالُوا- أي السحرة- يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى * قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا ... طه:

وجاء في (2) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ* فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ* فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ الشّعراء: 43 - 45

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت