فهرس الكتاب

الصفحة 6201 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 749

ويبدو أنّ القرآن حكى القصّة كما في غيرها نقلا بالمعنى، فجاء في كلّ من سورتي طه والشّعراء قسط من القصّة بألفاظ متفاوتة، ولكنّ موضع الكلام وهو فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ، فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ واحد.

2 -إنّ السّحرة اتّخذوا آلة سحرهم الحبال والعصيّ؛ حيث تحرّكتا كالأفاعي فسحروا بها أعين النّاس حتّى أوجس موسى خيفة في نفسه، فكانت لهم حبال وعصيّ لا حبل أو عصا واحدة، أمّا موسى فألقى عصاه- وهي واحدة- فإذا هي تلقف دفعة وبسرعة ما كانوا يأفكون بسعي جماعيّ دائم.

3 -جاءت"العصا"في القرآن مرّات في قصص موسى عليه السّلام، وجاءت"العصيّ"مع"الحبال"جمعا في قصصه أيضا، لاحظ"ع ص ي".

4 -جاءت (اذا) الفجائيّة فيهما في ناحيتين: في الأولى في ناحية عمل السّحرة؛ حيث قال: فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، وفي الثّانية في ناحية عمل موسى عليه السّلام؛ حيث قال: فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ، فيبدو أنّ عملهما كان مفاجأة لا يترقّب وقوعه، ولكن فيهما تفاوت، فإنّ فعل السّحرة كان سحرا وخيالا لا حقيقة، وعمل موسى كان معجزة وحقيقة لا خيالا، وهذا هو الفرق بين السّحر والمعجزة، لاحظ"س ح ر".

رابعا: جاء المعنى المجازيّ استعارة مرّة، وكناية ثلاث مرّات.

أمّا الاستعارة ففي (4) (حبل الوريد) وفيها بحوث:

1 -أطلق فيها"الحبل"على عرق"الوريد"تشبيها له بالحبل في طوله واتّصاله. وقد أضيف"حبل"إلى"الوريد"- وهو عرق في العاتق- وهو إمّا من قبيل إضافة الشّي ء إلى نفسه بيانا، كقولهم:"بعير سائبة"أو"شجر الأراك"، أو أريد به: حبل العاتق، فيضاف إلى"الوريد"كما يضاف إلى"العاتق"لاجتماعهما في عضو واحد- ذكرهما الزّمخشريّ- أو هو من قبيل إضافة الجنس إلى نوعه بناء على كون"الحبل"مشتركا- كما قيل- فخصّص هنا بالوريد- ذكره ابن عطيّة- فهذه ثلاثة وجوه؛ والأوّل هو الأرجح عندنا.

2 -أريد بها إحاطة علم اللّه بأعمال الإنسان لشدّة قربه بالإنسان، وهي من هذه الجهة الحيث كناية، لأنّه أريد بهذا التّشبيه لازمه، وهو قربه من الإنسان، فمن قال: إنّها استعارة أراد نفس (حبل الوريد) ومن قال:

إنّها كناية أراد الجملة. قال فضل اللّه مشيرا إلى صدر الآية وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ: وهو تعبير كنائيّ عن القرب الإلهيّ من الإنسان بالمستوى الّذي لا يدنو فيه إليه أقرب أعضائه الممتزج بمجاري دمه، ممّا يجعل معرفة اللّه بالإنسان في داخله الفكريّ والشّعوريّ أمرا في الدّرجة العليا من الوضوح.

3 -ويبدو من بعضهم إشارة أو تصريحا أنّ المراد بها أنّ اللّه أقرب إليكم من أنفسكم، لأنّ حبل الوريد عصب يوصل الدّم إلى القلب، وحياتنا متعلّقة به، وأنّ اللّه أقرب إلينا من هذا العصب الممدّ لحياتنا، فهو أقرب إلى أنفسنا منّا، ولهذا قال الطّبرسيّ:"و قيل: هو عرق متعلّق بالقلب، يعني نحن أقرب إليه من قلبه، عن الحسن."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت