فهرس الكتاب

الصفحة 6246 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 794

إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ المطفّفين: 14، 15.

وأمّا الحجاب العقليّ فهو ذلك النّقص الّذي يخلق مع الإنسان في مبدإ حياته، وأوّل نشأته، بحيث يكون قليل التّمييز ضعيف الفكر لمثل هذا، لا ينفعه تعليم المعلّمين ولا يرفعه تهذيب المهذّبين. ولكن هذا النّوع نادر أو قليل، وهذا معنى قوله تعالى: فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ الفتح: 46.

وأمّا الحجاب العلميّ فهو ما يغترّ به الإنسان من الشّهادات الدّراسيّة والمناصب العلميّة والإجازات الفنّيّة، ومدح النّاس وثنائهم عليه، والتّصدّر للفتوى ونحو ذلك، فيظنّ أنّه قد كملت نفسه وفاق الأقران علمه. فهنالك لا تكاد تقبل نفسه علم العلماء ولا حكمة الحكماء، وهؤلاء يقول اللّه فيهم: فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ المؤمن: 83.

فيا حسرة على من طبع الجهل على قلبه وختم الغرور على سمعه وبصره فعمي عن حقيقة نفسه، فصار من الجاهلين الهالكين، واللّه تعالى يقول: سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها الأعراف: 146، فإذن أكبر مصيبة وأجلّ رزيّة تغتال النّفوس وتحصد الرّجال:

الشّهادات الدّراسيّة من المعاهد العلميّة والمدارس النّظاميّة، فهي حجاب بين العقول وارتقاء العلوم. وقد يغترّ المرء بعلم من العلوم كالنّحو والصّرف والمعاني والبيان والبديع وكالإنشاء والتّاريخ وكالفقه وكالطّبّ وكالهندسة، فيشمخ أحدهم بما حواه من العلم، فيكون في ذلك مصرع نفسه وذهاب أنسه.

فأمّا الحجاب الدّينيّ فهو ما يعتور القلوب من العمى، بالاغترار بمذهب من المذاهب الدّينيّة، فيظنّ الجهول أنّ دين اللّه إنّما هو في هذا المذهب، فيحصر عقله فيه تقليدا لأستاذ ضيّق العطن قليل الفطن، فيقول:

ما دمت أقرأ مذهب الشّافعيّة أو الحنفيّة أو الزّيديّة أو الشّيعة أو غيرهم فإنّي قد قضيت واجبي وأطعت خالقي.

وما عرف المسكين أنّ ما قرأه إنّما هو بعض الدّين لا كلّه، وأنّ أصل الدّين:، الوقوف على جمال هذا العالم ونظامه؛ إذ ذلك به زيادة التّوحيد وبه اليقين وبه شكر اللّه تعالى، فلا شكر إلّا بعلم، وأجلّ العلوم: معرفة هذه الدّنيا.

وما دروس اللّغات جميعها من عربيّة وفروعها الاثني عشر ونحوها، ومن فارسيّة وتركيّة وأورديّة وإنجليزيّة وألمانيّة ويونانيّة إلّا مقدّمات للعلوم. فعلوم اللّسان مقدّمات لعلوم الجنان، وعلوم الجنان هي علوم نظام هذه الدّنيا من السّماوات والأرضين. وما دروس الفقه إلّا لنظام القضاء بين العباد لنظام هذه الدّنيا، فمن جعل حياته وقفا عليه فقد باء بإثم عظيم، إذا كان عنده استعداد للعلوم.

فهذه كلّها حجب أسدلت على عقول طوائف من المسلمين، منذ تسعة قرون فكان ما كان، وهذا أوان إشراق شمس المعارف في بلاد الشّرق. (14: 120)

عزّة دروزة: [ذكر آيات سورة الإسراء: 45 - 48 وأضاف:] والآيتان الأوليان قد توهمان أنّهما تقرّران بأنّ اللّه عزّ وجلّ يحجب الكفّار الّذين لا يؤمنون بالآخرة وحسابها عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، ويغلق قلوبهم وآذانهم دون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت