فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 796
حقيقته إن هو إلّا أحقادهم وحسدهم وبغضهم والعداوة الّتي يضمرونها نحوك، فهذا الحجاب بمكوّناته هو الّذي يمنعهم من النّظر إلى شخصيّتك الرّساليّة، أو أن يدركوا كلامك، حتّى أنّ الحسنات تتحوّل في نظرهم إلى سيّئات.
ب- سيطرة الجهل والتّقليد الأعمى على قلوبهم؛ بحيث إنّهم غير مستعدّين لسماع كلمة الحقّ من أيّ شخص كان.
ج- إنّ حواسّ المعرفة لدى هؤلاء، كالأذن- مثلا- تنفر من كلام الحقّ، وتكون كأنّها صمّاء. أمّا الكلام الباطل فإنّهم يتذوّقونه ويفرحون به، وينفذ إلى أعماقهم بسرعة، خاصّة وأنّ التّجربة أثبتت أنّ الإنسان إذا لم يكن راغبا بشي ء، فسوف لا يسمعه بسهولة. أمّا إذا كان راغبا فيه، فإنّه سيدركه بسرعة، وهذا يدلّ على أنّ الإحساسات الدّاخليّة لها تأثيرها على الحواسّ الظّاهرة، بل وتستطيع أن تطبعها بالشّكل الّذي تريده.
أمّا نتيجة هذه الموانع الثّلاثة فهي:
أوّلا: الهروب من سماع الحقّ، خاصّة عند ما يكون الحديث عن وحدانيّة الخالق، لأنّ هذه الوحدانيّة تتناقض مع أصول اعتقادات المشركين.
ثانيا: اللّجوء إلى توجيهات خاطئة لتبرير انحرافهم، حيث كانوا يصفون الرّسول صلّى اللّه عليه وآله بتهم مختلفة كالسّاحر والشّاعر والمجنون، وبذلك تكون عاقبة كلّ أعداء الحقّ أنّ أعمالهم الرّذيلة تكون حجابا لهم دون الحقّ والهدى.
وهنا ينبغي القول: بأنّ من يريد أن يسلك الصّراط المستقيم وأن يأمن من الانحراف، يجب عليه أوّلا وقبل كلّ شي ء إصلاح نفسه. يجب تطهير القلب من البغض والحسد والعناد، وتطهير الرّوح من التّكبّر والغرور، وبشكل عامّ تطهير النّفس من جميع الصّفات الرّذيلة، لأنّ القلب إذا تطهّر من هذه الرّذائل وأصبح نظيفا نقيّا، فسوف يدرك جميع الحقائق. لهذا السّبب نرى أنّ الأمّيّين وأصحاب القلوب النّقيّة يدركون الحقائق أسرع من العالم الّذي لم يقم بتهذيب نفسه.
ثانيا: لما ذا تنسب الحجب للخالق؟
الآيات تنسب الحجب إلى الخالق، حيث قوله تعالى: وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا، كذلك هناك آيات قرآنيّة أخرى بنفس المضمون. وهذه التّعابير قد يستشمّ منها رائحة"الجبر"في حين أنّها لم تكن سوى صدى لأعمالهم. ولكن هذه الحجب- في الواقع- هي بسبب الذّنوب والصّفات الرّذيلة لنفس الإنسان، وإن هي إلّا آثار الأعمال. ونسبة هذه الأمور إلى الخالق يعود إلى أنّه سبحانه وتعالى هو الّذي خلق خواصّ الأمور، وهذه الأعمال الرّذيلة والصّفات القبيحة لها هذه الخواصّ. وقد تحدّثنا عن هذه الفكرة في البحوث السّابقة، مستفيدين من الشّواهد القرآنيّة الكثيرة.
ثالثا: ما معنى الحجاب المستور؟
هناك آراء كثيرة للمفسّرين حول الحجاب المستور، منها:
أ- (مستور) صفة للحجاب، ونستفيد من ظاهر التّعبير القرآنيّ أنّ هذا الحجاب مخفيّ عن الأنظار. وفي