فهرس الكتاب

الصفحة 6254 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 802

2 -فقد اعترفوا في الأولى بأنّ قلوبهم في أكنّة- وهي الأغلفة- وفي آذانهم وقر، وبينهم وبينه حجاب، وكلّها كناية عن تلك الحواجب القلبيّة، وأسندت إلى الآذان والأجسام مجازا تأكيدا شدّة حجابها.

والثّانية اعتراف من اللّه بأنّ تلك الحواجب الثّلاثة مانعة لهم أن يفقهوا القرآن، داعية لهم على النّفور والإدبار عنه، وأنّها من صنع اللّه مجازاة لعنادهم واستكبارهم بعد بيان الحقّ لهم، وإبلاغ الدّعوة إليهم، وإتمام الحجّة عليهم، كما جاء في آيات كثيرة حملها المجبّرة خطأ على مذهبهم: أنّ اللّه قدّرها عليهم في ابتداء الخلقة فجبرهم عليها. منها إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ البقرة: 6، 7. وكلّها مجازاة لهم بعد إدبارهم عن الحقّ اختيارا، وليس تقديرا من اللّه في ابتداء الخلقة جبرا.

لاحظ"الهداية والإضلال".

3 -قد جاء في بعض الأقوال في الآيتين ما يحاكي أنّه كان يوجد بين النّبيّ والكفّار ستر، وفي آذانهم وقر حين يقرأ عليهم القرآن فلا يرونه ولا يسمعونه، فهو حقيقة لا مجاز، وهذا لا ينسجم مع سياق القرآن، بل الأوّل متعيّن.

4 -بينهم خلاف واسع في (حِجابًا مَسْتُورًا) أنّه حجاب مستور عن العيون وهو ذلك الحاجب القلبيّ، فالمستور بمعناه، أو المستور بمعنى السّاتر، أي حجابا يسترهم عن فهم القرآن، أو جعلنا القرآن نفسه حجابا يسترهم عن سماعه، وقد جاء المفعول بمعنى الفاعل مبالغة مثل مشؤوم وميمون بمعنى شائم ويامن، أو هو على بناء النّسب أي ذا ستر، وقد قطع به الطّبرسيّ، لاحظ النّصوص هنا، وفي"س ت ر".

ولقائل أن يقول: حِجابًا مَسْتُورًا بمعنى"حجابا محجوبا"وصف به مبالغة، مثل: شعر شاعر، و"مستورا"بمعنى ساترا، وإنّما جاء"مستورا"بدل"محجوبا"أو ساترا رعاية للرّويّ، فقبلها (كبيرا وغفورا) وبعدها (نفورا ومسحورا) والجناس بين (مستورا) و (مسحورا) جليّ تماما.

خامسا: جاء في (8) بشأن الفجّار يوم القيامة كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، وفيها خلاف بين جمهور أهل السّنّة وبين من خالفهم في مسألة الرّؤية من المعتزلة والإماميّة والزّيديّة والإباضيّة، فقال الأوّلون: الكفّار محجوبون عن رؤية اللّه، والمؤمنون ملتذّون برؤيته.

وقد استدلّوا بآيات هذه من جملتها، ونعمة الرّؤية عندهم من أعظم النّعم، وهي منتهى آمالهم، وعليها تدور كلماتهم نظما ونثرا. قال الشّافعيّ:"لمّا حجب قوما بالسّخط دلّ على أنّ قوما يرونه بالرّضاء، واللّه لو لم يؤمن محمّد بن إدريس أنّه يرى ربّه في المعاد لما عبده في الدّنيا"وقال غيره:"لو علم الزّاهدون والعابدون أنّهم لا يرون ربّهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدّنيا".

وقد فسّر الآخرون هذه الآية ونحوها في حقّ المؤمنين، بأنّهم يرون ثوابه ورحمته، وفي حقّ الكفّار أنّهم محجوبون عن ثوابه وإحسانه ونحوهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت