فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 838
أولى، لأنّ الكتاب إذا نزل دفعة واحدة كثرت التّكاليف وتوجّهت بأسرها على المكلّفين فيثقل عليهم قبولها، ولهذا السّبب أصرّ قوم موسى عليه السّلام على التّمرّد ولم يقبلوا تلك التّكاليف. أمّا إذا نزل الكتاب منجّما مفرّقا لم يكن كذلك، بل ينزل التّكاليف شيئا فشيئا وجزء فجزء، فحينئذ يحصل الانقياد والطّاعة من القوم.
وحاصل هذا الجواب أنّ المقصود من بعثة الرّسل وإنزال الكتب هو الإعذار والإنذار، وهذا المقصود حاصل سواء نزل الكتاب دفعة واحدة أو لم يكن كذلك، فكان اقتراح اليهود في إنزال الكتاب دفعة واحدة اقتراحا فاسدا. وهذا أيضا جواب عن تلك الشّبهة في غاية الحسن. [إلى أن قال:]
المسألة الثّالثة: احتجّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ وجوب معرفة اللّه تعالى لا يثبت إلّا بالسّمع، قالوا: لأنّ قوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يدلّ على أنّ قبل البعثة يكون للنّاس حجّة في ترك الطّاعات والعبادات، ونظيره قوله تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا الإسراء: 15. وقوله:
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى طه: 134.
المسألة الرّابعة: قالت المعتزلة: دلّت هذه الآية على أنّ العبد قد يحتجّ على الرّبّ، وأنّ الّذي يقوله أهل السّنّة من أنّه تعالى لا اعتراض عليه في شي ء، وأنّ له أن يفعل ما يشاء كما يشاء ليس بشي ء، قالوا: لأنّ قوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يقتضي أنّ لهم على اللّه حجّة قبل الرّسل؛ وذلك يبطل قول أهل السنّة.
والجواب: المراد لئلّا يكون للنّاس على اللّه حجّة، أي ما يشبه الحجّة فيما بينكم.
قالت المعتزلة: وتدلّ هذه الآية أيضا على أنّ تكليف مالا يطاق غير جائز، لأنّ عدم إرسال الرّسل إذا كان يصلح عذرا فبأن يكون عدم المكنة والقدرة صالحا لأن يكون عذرا، كان أولى، وجوابه المعارضة بالعلم، واللّه أعلم. (11: 110)
نحوه النّيسابوريّ. (6: 19)
البيضاويّ: لِئَلَّا يَكُونَ ... فيقولوا: لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا طه: 134، فينبّهنا ويعلّمنا ما لم نكن نعلم، وفيه تنبيه على أنّ بعثة الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام إلى النّاس ضرورة، لقصور الكلّ عن إدراك جزئيّات المصالح والأكثر عن إدراك كلّيّاتها.
الخازن: المعنى لئلّا يحتجّ النّاس على اللّه في ترك التّوحيد والطّاعة بعد الرّسل، فيقولوا: ما أرسلت إلينا رسولا، وما أنزلت علينا كتابا.
ففيه دليل على أنّه لو لم يبعث الرّسل لكان للنّاس عليه حجّة في ترك التّوحيد والطّاعة.
وفيه دليل على أنّ اللّه لا يعذّب الخلق قبل بعثة الرّسل، كما قال تعالى: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا الإسراء: 15.
وفيه دليل لمذهب أهل السّنّة على أنّ معرفة اللّه تعالى لا تثبت إلّا بالسّمع، لأنّ قوله: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ يدلّ على أنّ قبل بعثة الرّسل