فهرس الكتاب

الصفحة 6294 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 842

بمشيئة اللّه تعالى، وإذا شاء اللّه منّا ذلك، فكيف يمكننا تركه؟ وإذا كنّا عاجزين عن تركه، فكيف يأمرنا بتركه؟

وهل في وسعنا وطاقتنا أن نأتي بفعل على خلاف مشيئة اللّه تعالى؟ فهذا هو حجّة الكفّار على الأنبياء، فقال تعالى: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ وذلك من وجهين:

الوجه الأوّل: أنّه تعالى أعطاكم عقولا كاملة، وأفهاما وافية، وآذانا سامعة، وعيونا باصرة، وأقدركم على الخير والشّرّ، وأزال الأعذار والموانع بالكلّيّة عنكم. فإن شئتم ذهبتم إلى عمل الخيرات، وإن شئتم إلى عمل المعاصي والمنكرات. وهذه القدرة والمكنة معلومة الثّبوت بالضّرورة، وزوال الموانع والعوائق معلوم الثّبوت أيضا بالضّرورة، وإذا كان الأمر كذلك كان ادّعاؤكم أنّكم عاجزون عن الإيمان والطّاعة دعوى باطلة، فثبت بما ذكرنا أنّه ليس لكم على اللّه حجّة بالغة! بل للّه الحجّة البالغة عليكم.

والوجه الثّاني: أنّكم تقولون: لو كانت أفعالنا واقعة على خلاف مشيئة اللّه تعالى، لكنّا قد غلبنا اللّه وقهرناه، وأتينا بالفعل على مضادّته ومخالفته؛ وذلك يوجب كونه عاجزا ضعيفا، وذلك يقدح في كونه إلها.

فأجاب تعالى عنه: بأنّ العجز والضّعف إنّما يلزم إذا لم أكن قادرا على حملهم على الإيمان والطّاعة، على سبيل القهر والإلجاء، وأنا قادر على ذلك، وهو المراد من قوله:

فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ إلّا أنّي لا أحملكم على الإيمان والطّاعة على سبيل القهر والإلجاء، لأنّ ذلك يبطل الحكمة المطلوبة من التّكليف، فثبت بهذا البيان أنّ الّذي يقولونه: من أنّا لو أتينا بعمل على خلاف مشيئة اللّه، فإنّه يلزم منه كونه تعالى عاجزا ضعيفا، كلام باطل.

فهذا أقصى ما يمكن أن يذكر في تمسّك المعتزلة بهذه الآية.

[ثمّ ذكر ما يوافق الأشاعرة، فلاحظ] (13: 226)

القرطبيّ: أي الّتي تقطع عذر المحجوج، وتزيل الشّكّ عمّن نظر فيها، فحجّته البالغة على هذا: تبيينه أنّه الواحد، وإرساله الرّسل والأنبياء، فبيّن التّوحيد بالنّظر في المخلوقات، وأيّد الرّسل بالمعجزات، ولزم أمره كلّ مكلّف.

فأمّا علمه وإرادته وكلامه فغيب لا يطّلع عليه العبد، إلّا من ارتضى من رسول. ويكفي في التّكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه.

أبو حيّان: فللّه الحجّة البالغة في الاحتجاج، الغالبة كلّ حجّة؛ حيث خلق عقولا يفكّر بها وأسماعا يسمع بها وأبصارا يبصر بها. وكلّ هذه مدارك للتّوحيد ولاتّباع ما جاءت به الرّسل عن اللّه.

قال أبو نصر القشيريّ: الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ: تبيين للتّوحيد وإبداء الرّسل بالمعجزات، فألزم أمره كلّ مكلّف. فأمّا علمه وإرادته فغيب لا يطّلع عليه العبد؛ ويكفي في التّكليف أن يكون العبد لو أراد أن يفعل ما أمر به مكّنه، وخلاف المعلوم مقدور، فلا يلتحق بما يكون محالا في نفسه، انتهى. وفي آخر كلامه نظر. (4: 247)

الآلوسيّ: الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ أي البيّنة الواضحة الّتى بلغت غاية المتانة والقوّة على الإثبات، أو بلغ بها صاحبها صحّة دعواه كعيشة راضية، والمراد بها في المشهور: الكتاب والرّسول والبيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت