فهرس الكتاب

الصفحة 6295 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 843

وقال شيخ مشايخنا الكورانيّ: الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ إشارة إلى أنّ العلم تابع للمعلوم، وأنّ إرادة اللّه تعالى متعلّقة بإظهار ما اقتضاه استعداد المعلوم في نفسه، مراعاة للحكمة جودا ورحمة لا وجوبا. وهي من الحجّ بمعنى القصد، كأنّها يقصد بها إثبات الحكم وتطلبه، أو بمعنى الغلبة وهو المشهور، والفاء جواب شرط محذوف، أي إذا ظهر أن لا حجّة لكم قل: فللّه الحجّة. (8: 51)

الطّباطبائيّ: والمعنى أنّ نتيجة الحجّة قد التبست عليكم بجهلكم واتّباعكم الظّنّ وخرصكم في المعارف الإلهيّة، فحجّتكم تدلّ على أن لا حجّة لكم في دعوته إيّاكم إلى رفض الشّرك وترك الافتراء عليه، وإنّ الحجّة إنّما هي للّه عليكم، فإنّه لو شاء لهداكم أجمعين وأجبركم على الإيمان وترك الشّرك والتّحريم؛ وإذ لم يجبركم على ذلك وأبقاكم على الاختيار فله أن يدعوكم إلى ترك الشّرك والتّحريم.

وبعبارة أخرى: يتفرّع على حجّتكم أنّ الحجّة للّه عليكم، لأنّه لو شاء لأجبر على الإيمان فهداكم أجمعين، ولم يفعل بل جعلكم مختارين يجوز بذلك دعوتكم إلى ما دعاكم إليه.

وقد بيّن تعالى في طائفة من الآيات السّابقة أنّه تعالى لم يضطرّ عباده على الإيمان، ولم يشأ منهم ذلك بالمشيئة التّكوينيّة حتّى يكونوا مجبرين عليه، بل أذن لهم في خلافه. وهذا الإذن الّذي هو رفع المانع التّكوينيّ هو اختيار العباد، وقدرتهم على جانبي الفعل والتّرك، وهذا الإذن لا ينافي الأمر التّشريعيّ بترك الشّرك مثلا، بل هو الأساس الّذي يبتني عليه الأمر والنّهي. (7: 367)

مكارم الشّيرازيّ: إنّ اللّه أقام براهين جليّة ودلائل واضحة وصحيحة في صعيد وحدانيّته، وهكذا أقام أحكام الحلال والحرام سواء بواسطة أنبيائه أو بواسطة العقل؛ بحيث لم يبق أيّ عذر لمعتذر: قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ.

وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يدّعي أحد أنّ اللّه أمضى- بسكوته- عقائدهم وأعمالهم الباطلة، وهكذا لا يمكن لهم قطّ أن يدّعوا أنّهم كانوا مجبورين، لأنّهم لو كانوا مجبورين لكان إقامة الدّليل والبرهان، وإرسال الأنبياء وتبليغهم ودعوتهم لغوا، إنّ إقامة الدّليل دليل على حرّيّة الإرادة.

على أنّه يجب الانتباه إلى أنّ (الحجّة) الّذي هو من"حجّ"يعني القصد، وتطلق الحجّة على الطّريق الّذي يقصده الإنسان، ويطلق على البرهان والدّليل الحجّة أيضا، لأنّ القائل يقصد إثبات مدّعاه للآخرين عن طريقه.

ومع ملاحظة لفظة"بالغة"يتّضح أنّ الأدلّة الّتي أقامها اللّه للبشر عن طريق العقل والنّقل وبواسطة العلم والفكر، وكذا عن طريق إرسال الأنبياء، واضحة، لا لبس فيها من جميع الجهات؛ بحيث لا يبقى أيّ مجال للتّرديد والشّكّ لأحد، ولهذا السّبب نفسه عصم اللّه سبحانه أنبياءه من كلّ خطإ، وذلك ليبعّدهم عن أيّ نوع من أنواع التّردّد والشّكّ، في الدّعوة والإبلاغ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت