فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 857
وأيضا أنكر زعماء النّصارى، وصناديد قريش نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله خوفا على مكانتهم ومصالحهم، وتذرّعوا بالأباطيل كما تذرّع اليهود؛ حيث قال النّصارى- كما جاء في التّفاسير-: لو أرسل اللّه نبيّا لكان منّا لا من العرب، أمّا صناديد قريش فقالوا: لو أرسله من العرب لاختاره من الطّبقة الثّريّة القويّة، كما أشارت الآية: 31 من الزّخرف: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. والآية: 8، من الفرقان: أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها.
وكلّ شي ء يقبل الخصام والحجاج، حتّى وجود اللّه إلّا شيئا واحدا، فإنّه لا يقبل النّقاش أبدا عند المعترفين بوجود اللّه، ألا وهو تخصيص رحمة اللّه وإنعامه على فرد دون فرد: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ الزّخرف: 32.
ولذا أمر اللّه نبيّه محمّدا صلّى اللّه عليه وآله أن يقول للّذين استنكروا إنعام اللّه عليه بالنّبوّة أن يقول لهم: أتحاجّوننا في اللّه، وأنتم تعلمون أنّه تعالى أعلم بمن يصلح للرّسالة، وبمن لا يصلح لها، فلا تعترضوا على ربّكم ... وإنّ علينا وعليكم التّسليم لحكمه، لا المجادلة في إرادته واختياره، وهذا معنى قوله تعالى: هُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ. (1: 214)
الطّباطبائيّ: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ إنكار لمحاجّة أهل الكتاب المسلمين في اللّه سبحانه، وقد بيّن وجه الإنكار، وكون محاجّتهم لغوا وباطلا، بقوله:
وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ البقرة: 139.
وبيانه: أنّ محاجّة كلّ تابعين في متبوعهما ومخاصمتهما فيه إنّما تكون لأحد أمور ثلاثة:
إمّا لاختصاص كلّ من التّابعين بمتبوع دون متبوع الآخر، فيريدان بالمحاجّة: كلّ تفضيل متبوعه وربّه على الآخر، كالمحاجّة بين وثنيّ ومسلم.
وإمّا لكون كلّ واحد منهما أو أحدهما يريد مزيد الاختصاص به، وإبطال نسبة رفيقه، أو قربه أو ما يشبه ذلك، بعد كون المتبوع واحدا.
وإمّا لكون أحدهما ذا خصائص وخصال لا ينبغي أن ينتسب إلى هذا المتبوع وفعاله ذاك الفعال، وخصاله تلك الخصال، لكونه موجبا لهتكه أو سقوطه أو غير ذلك.
فهذه علل المحاجّة والمخاصمة بين كلّ تابعين؛ والمسلمون وأهل الكتاب إنّما يعبدون إلها واحدا، وأعمال كلّ من الطّائفتين لا تزاحم الأخرى شيئا، والمسلمون مخلصون في دينهم للّه، فلا سبب يمكن أن يتشبّث به أهل الكتاب في محاجّتهم، ولذلك أنكر عليهم محاجّتهم أوّلا، ثمّ نفى واحدا واحدا من أسبابها الثّلاثة ثانيا. (1: 313)
مكارم الشّيرازيّ: كان اليهود وغيرهم يحاجّون المسلمين بصور شتّى، كانوا يقولون: إنّ جميع الأنبياء مبعوثون منّا، وإنّ ديننا أقدم الأديان، وكتابنا أعرق الكتب السّماويّة. وكانوا يقولون: إنّ عنصرنا أسمى من عنصر العرب، ونحن المؤهّلون لحمل الرّسالة لا غيرنا، لأنّ العرب أهل أوثان، وكانوا يدّعون أحيانا أنّهم أبناء اللّه وأنّ الجنّة لهم لا لغيرهم.
القرآن يردّ على كلّ هذه الأقاويل، ويقول:
أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ فاللّه سبحانه